وعن خَبَّاب بن الأَرَت - رضي الله عنه - قال:"هاجرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نُريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمِنَّا مَنْ مَضَى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، وترك نَمِرة، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبها"؛ رواه الشيخان [15] .
وبعد انتهاء المعركة، ورغم ما أصابهم فيها من ألم المصيبة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: (( استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، ووقف طويلاً يثني على الله - تعالى - بما هو أهل له ) ) [16] .
إن ألم المصيبة، والجراحات التي نالته، وشدة الفاجعة بعمه حمزة وبأصحابه - رضي الله عنهم - ما أنساه نعم الله - تعالى - عليه، وعلى البقية الباقية من المؤمنين، وهي نعم كثيرة ليست هذه المصيبة أو غيرها من المصائب توازيها أو تدانيها. ثُمَّ إنَّ ما أصابهم كان بمعصية منهم؛ كما قال - سبحانه: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] .
وهكذا يجب أن يكون حال المؤمن إذا أحاطت به الابتلاءات، وعظمت في حقه المصائب والنكبات أن ينظر إلى نِعَم الله - تعالى - عليه، ويقارنها بما أصابه؛ حتى يشكر الله - تعالى - على نعمه، ويصبر على مُصابه، ثم ليبحث عن أسباب هذه المصائب والابتلاءات فإنه سيجد أنها من عند نفسه بسبب ذنوب أصابها، أو حقوق ضيعها؛ فتكون تلك المصائب والابتلاءات تمحيصًا لذنوبه، وتكفيرًا لسيئاته؛ كما قال الله - تعالى - في سياق الحديث عن ابتلاء المؤمنين ومصيبتهم في غزوة أحد: {وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 141] .
ألا فاتقوا الله ربكم، واشكروه على نعمه، واصبروا على ابتلاءاته، واعبدوه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون والمنافقون.