وفي أحوال الشدة والبأساء تكون الحاجة ملحة لفهم هذه السنن؛ تثبيتا للقلوب، وتقوية للإيمان، وترسيخا لليقين،وتلك هي طريقة القرآن؛ ففي غزوة أحد التي وقعت في شوال من السنة الثالثة، وأصيب فيها المؤمنون ما لم يصابوا قبلها نجد أن الآيات القرآنية التي عالجت هذه المصيبة قد عرضت لكثير من السنن الربانية، وأشارت إلى أحوال السابقين على هذه الأمة (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) .
إن من سنن الله تعالى التي تستفاد من هذه الغزوة المباركة: أن الله تعالى قد جعل الأيام دولا بين أهل الحق وأهل الباطل؛ ففي أزمان تكون الغلبة لأهل الباطل، وتكون لأهل الحق أزمانا أخرى، والحق والباطل باقيان إلى آخر الزمان؛ ابتلاء للعباد وامتحانا . فأهل الحق قد يخسرون بعض المعارك، ولا يعني انهزامهم أنهم ليسوا على الحق، كما أن انتصار أهل الباطل لا يقلب باطلهم إلى حق، وتلك سنة ربانية في الابتلاء قلّ في البشر من يفهمها؛ ولذلك يتخلى كثير منهم عن الحق إن استبطئوا النصر، ورأوا غلبة أهل الباطل وقوتهم . والآيات القرآنية التي عرضت لغزوة أحد وما أصاب المسلمين فيها قد نصت على هذه السنة الربانية، وبينت الحكمة منها (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) .
ومن حكم تلك المداولة بين الحق والباطل: تمييز الخبيث من الطيب، وإظهار الصادق من الكاذب، ومعرفة المؤمن من المنافق؛ فإن الصفوف لا تتمايز، ولا تصقل القلوب، ولا تعرف أقدار الرجال إلا بموجات البلاء والامتحان، وفي أحوال السلامة والعافية كل يدعي الصدق والإخلاص (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) .