فهرس الكتاب

الصفحة 14242 من 19127

إن من الناس من ينحاز إلى من هم أقوى ولو كانوا على الباطل، ولا يتبع الحق إن كان أهله أضعف، بل أكثر الناس هم من هذا الصنف، ولو أن أهل الحق انتصروا دائما لانحاز لهم من لم يكن منهم، فجعل الله تعالى الابتلاءات والهزائم محطات تصفية وتمحيص؛ ولذا فإن الإسلام لما ظهر على الشرك في غزوة بدر، وقوي المسلمون قدّر الله تعالى على المؤمنين ما قدر في أحد؛ ابتلاء لهم وامتحانا؛ ليثبت على الإيمان - وإن انهزم أهله - من صدق إيمانه، ولينحاز إلى أهل الباطل من كذب في إيمانه، والجنة سلعة غالية، لا يستحقها إلا الصادقون في إيمانهم، الثابتون على دينهم، المضحون في سبيله بالغالي والنفيس، فمن كانوا كذلك اصطفى الله تعالى منهم في أحد من اصطفى فكانوا من شهدائها، وتلك نعمة ومنة من الله تعالى عليهم (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) .

ثم إن هزيمة أهل الحق ابتلاء يكفر الله تعالى به سيئاتهم، ويرفع به درجاتهم، ويكون سببا في توبتهم من ذنوبهم، وإيابهم إلى ربهم، كما أن انتصار أهل الباطل سبب لمحقهم بما يداخل قلوبهم من الاستكبار عن الحق، والعلو على الخلق، والإمعان في الظلم، والفساد في الأرض؛ لتكون نهايتهم الهلاك والمحق.

وقد رأينا كيف أن زعماء الباطل في هذا العصر قد انتشوا بقوتهم، واغتروا بحضارتهم، وسعوا في فرض باطلهم ولكن غرورهم بقوتهم، كان سببا في جرهم إلى مستنقعات غرق فيها جندهم، وكانت سبب ذلهم وانكسارهم، وظهور أهل الحق عليهم، وفي الحديث عن غزوة أحد نجد ذلك صريحا في قول الله تعالى (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت