أيها الناس: لا يُعرف من كان صادقا في إيمانه من الكاذب، ولا المؤمن من المنافق إلا بالاختبار والابتلاء؛ ولذا كان من سنة الله تعالى في عباده أن يبتليهم بأنواع من الضراء والبأساء حتى يتميز صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من منافقهم، وطيبهم من خبيثهم {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2-3] .
وقد ابتلي خيار هذه الأمة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضي الله عنهم وأرضاهم أعظم الابتلاء، فثبتوا على دينهم فنالوا الحسنيين: الظفر على أعدائهم، والأجر الكبير من ربهم عز وجل.
وكان من مواطن الابتلاء العظيمة التي مرَّ بها خيار هذه الأمة ما جرى عليهم في غزوة الأحزاب، حيث تحزبت أحزاب المشركين عليهم، ونقض اليهود عهودهم ومواثيقهم، وطعنوا المؤمنين في ظهورهم، وأظهر المنافقون نفاقهم، وبثوا أراجيفهم فكان موقفا عسيرا لا يثبت فيه إلا من ربط الله تعالى على قلبه بالإيمان واليقين، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، والتصديق بوعده، ويكفي في وصفه قول الله تبارك وتعالى {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً} [الأحزاب10-11] .
لقد كان موقفا عظيما بان فيه الصادق من الكاذب، وتميَّز المؤمن من المنافق:
أما المؤمنون فثبتوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وصبروا على عظيم البلاء، وقابلوه بالرضا والتسليم.