كما أننا بالاستعانة بالقواعد الأصولية نفهم كل قانون أو تشريع مكتوب بالعربية، ونستطيع حسم الخلاف في قضايا متعارضة أو متشابهة في الظاهر ولكنها متباينة في الواقع؛ لأن قواعد الاستنباط ودلالات الألفاظ المقررة لدينا مستمدة من معين اللغة العربية، وتوحي بها المسلمات العقلية، وقواعد الفطرة، وتنمو بالتمرس بفهم أصول الشرائع.
قال ابن خلدون في مقدمتهم المشهورة: أعلم أن هذا الفن - يعني أصول الفقه - من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية. وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا، فمنهم أخذ معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر إليها، لقرب العصر، وممارسة النقلة، وخبرتهم به.
4 -المدارس الأصولية وتطور البحث الأصولي:
صنف علماء الأصول بعد عهد أئمة المذاهب كتبًا ممتازة في أصول الفقه وفي طريقة بحثه على طريقتين أو باتجاهين لمدرستين في التأليف وهما مدرسة المتكلمين أو الشافعية، ومدرسة الفقهاء أو الحنفية. ومحور الخلاف بين الطريقتين أو المدرستين هو كيفية تقرير أو إبداع النظرية أو القاعدة، هل تكون سابقة على الفروع والتطبيقات أو أن الفروع والمسائل هي الأصل، وأما النظرية فهي التابع؟
ولا شك بأن تصور أرضية النظرية وهي إدراك حقائق بعض الأشياء أو المسائل أمر سابق وضروري قبل وجود النظرية، لكن ليس ذلك بنحو شامل أو كلي، فإن ولادة النظرية في أذهان العباقرة أو الفلاسفة لا تكون إلا بعد تأملات وملاحظات في جوانب الحياة، لا يدركها غيرهم، ثم يأتي الإبداع وصياغة النظرية، ليستفاد منها في التطبيق الكلي أو الشامل، فتكون النظرية بعد التوصل إليها بمثابة القاعدة أو المنارة التي يُهتدى بها في تحقيق مضمونها وتطبيق مفهومها، وهذا يدل على أن النظرية تسبق في النشوء والظهور عادة قضية التفريع والتطبيق.