فهرس الكتاب

الصفحة 14365 من 19127

أيها الناس: ماثلت غزوةُ تبوك غزوةَ الخندق في شدتها وعسرها، وما حاق بالصحابة - رضي الله عنهم - من ابتلاءاتها، كما كانت نهايةُ الغزوتين واحدة؛ إذ كفى الله - تعالى - المؤمنين القتال، فسلَّط على الأحزاب ريحًا رحلتهم عن المدينة، وقذف في قلوب النصارى رعبًا قعد بهم عن ملاقاة المسلمين في تبوك، وكانت تبوكُ نصرًا عظيمًا للإسلام والمسلمين؛ إذ أَخْضَع النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا من القبائل والبلدان المُتحالِفَة مع الرومان لِسُلْطانِ المسلمين، وضرب عليهم الجزية، فبعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبدالملك صاحبِ دومة الجندل، فأسره خالدٌ وأتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية [6] ، وأهدى أكيدر حلة من حرير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعجب الناس منها، فقال - عليه الصلاة والسلام: (( أتعجبون من هذا، فوالذي نفسي بيده لمناديلُ سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا ) )؛ رواه الشيخان [7] .

وأرسل ملك أيلة هَدية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وصالحه على الجزية [8] . وهكذا فعل أهل جرباء وأذْرح فأعطوه الجزية [9] .

وهكذا دانت كثير من البلاد والقبائل المتنصرة لسلطان الإسلام، ودخل كثير من أفرادها في دين الله - تعالى - فوطَّدَت هذه الغزوة سلطان الإسلام في شمالي الجزيرة العربية، ومهدت لفتوح الشام التي استعدَّ لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعداد جيش أسامة قبيل وفاته، فأنفذه أبو بكر - رضي الله عنه - ثم أتبعه أبو بكر بجيوش الفتح الأخرى، ثم عمر - رضي الله عنه - حتى كُسر الرومان في معركة اليرموك، والفرس في القادسية، وعزَّ الإسلام، وانتشر في الأرض، وتحرَّر الناسُ من ظلم الأكاسرة والقياصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت