إِنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلا
أما الكتب المنزَّلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة؛ بل هي عبارة عن كلام الله النفسي، والكلام النفسي شيءٌ واحدٌ في ذاته، لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراةٌ، وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة، ووصفها بأنها كلام الله مجازٌ؛ لأنها تعبيرٌ عنه.
واختلفوا في القرآن خاصة؛ فقال بعضهم:"إن الله خلقه أولًا في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا فكان جبريل يقرأ هذا الكلام المخلوق ويبلغه لمحمد صلى الله عليه وسلم". وقال آخرون:"إن الله أفهم جبريل كلامه النفسي، وأفهمه جبريل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فالنزول نزول إعلام وإفهام، لا نزول حركة وانتقال"؛ لأنهم ينكرون علوَّ الله.
ثم اختلفوا فيمن عبَّر عن الكلام النفسي بهذا اللفظ والنظم العربي؛ من هو؟ فقال بعضهم: هو جبريل، وقال بعضهم: بل هو محمد - صلى الله عليه وسلم-!.
واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} في سورتَي الحاقَّة والانشقاق - حيث أضافه في الأولى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي الأُخرى إلى جبريل - بأن اللفظ لأحد الرسولَين (جبريل أو محمد) ، وقد صرَّح الباقلاني بالأول، وتابعه الجويني.
قال شيخ الإسلام:"وفي إضافته - تعالى - إلى هذا الرسول تارة، وإلى هذا تارة، دليلٌ على أنه إضافة بلاغ وأداء، لا إضافة إحداثٍ لشيءٍ منه وإنشاء، كما يقول بعض المبتدعة الأشعرية، من أن حروفه ابتداء جبريل أو محمد، مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال: إنه قول البشر من مشركي العرب" [2] .