وما نقوله ليس كلامًا نظريًا وفرضيات خيالية، بل هو واقع ملموس وأمر مجرب، فهذا التاريخ يشهد أن المسلمين حينما آمنوا بهذا الدين العظيم وطبقوه واهتدوا بهداه، وتأدبوا بآدابه، كانوا خير أمة أخرجت للناس، وعاشوا سعداء، أعزاء سادة قادة منعمون في رضا من الله، وطمأنينة في النفس وراحة في الضمير، وبحبوحة في العيش، وأمن وسلام، هذا إضافة إلى ما ينتظرهم في الآخرة من النعيم المقيم، والسعادة العظمى، التي لا توصف في جنات الخلود.
وأما حين أعرضوا عن هدي الله وشرعه فإنهم كما نراهم اليوم في تعاسة وشقاء، وفرقة وشقاق، وتسلط من الأعداء، يستبيحون بلادهم، ويحتلون أوطانهم، وينتهكون أعراضهم، ويغتصبون ثرواتهم - وضعف وهوان، وتأخر وانحطاط، وفقر شديد للكثرة الكاثرة منهم، وغنى مطغى للقلة القليلة جدًا منهم، وخلاف في الآراء، وصراع في الاتجاهات، وصدق الله القائل: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ؛ [طه: 123-124] .
والخلاصة أنهم لم يجنوا ولن يجنوا من الإعراض عن دين الله إلا شقاء ونكدًا وتعاسة في الدنيا، وعذابًا أليمًا مهينًا دائمًا في الآخرة.
وأما غير المسلمين ممن يتخذ التشريع الوضعي، ويغتصب حق الله في التشريع، ويجعل نفسه إلهًا من دون الله، فحالهم أشد وأنكى، إنهم في حَيرة وضياع، ولا يزالون يجربون ويجربون، ويعانون من ذلك الوَيلات، ويجرُّون على أنفسهم وبلادهم ألوان العذاب والشقاء، وأصناف البؤس والأذى والأخطار.