ج - وهو - سبحانه - الكامل المبرأ من كل نقص وعيب، والمعصوم من كل خطأ، فما حكَم به فهو الحق، وما قاله فهو الصدق، وما شرعه فهو العدل والخير والهدى، ولهذا فإن التشريع الإلهي المحفوظ من التغيير والتحريف والتبديل الذي أنزله على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الكامل وحده، وما سواه إما تشريع إلهي أنزل على بعض الرسل السابقين ولكنه ضاع ولم يحفظ، ولم يسلم من التحريف والتبديل، فلا يوثق به، وإما تشريع بشري، واضعه مهما سما وعلا ففيه كل صفات البشر من الجهل والنقص والخطأ والهوى، فلا يصلح؛ والدليل على ذلك أنه ما إن يوضع تشريع ما: دستور أو قانون في بلد ما وفي زمن ما إلا ويجد الناس عند تطبيقه ثغرات وأخطاء ومفاسد، فيحاولون علاجه بتفسير غريب، أو تأويل متكلَّف، أو تعديل أشبه بالترقيع، وأحيانًا كثيرة بالإلغاء والإبطال، ولو فرض أنه وجد صالحًا لمجتمع ما أو زمن ما، فإنه لا يكون صالحًا لكل المجتمعات ولكل الأزمنة، هذا مع العلم أنه لا يتوصل الناس إلى صلاح تشريع ما إذا توصلوا إلا بعد تجارب طويلة وتضحيات جسيمة، وأزمان مديدة، ويكلفهم ذلك من الجهود المضنية والشقاء الطويل، والحياة البائسة التعيسة ما لا يمكن وصفه ولا إدراكه، ولذلك كان أعظم نعم الله على العباد هذا القرآن العظيم وهذه السنة النبوية الشريفة اللذَين أخرج الله بهما الناس من الظلمات إلى النور، ووفر عليهم بهما كل ذلك الشقاء والتجارب والتضحيات.