قوله، لأنهم يعلمون جلال الله في نفوسهم وعظمته، وأنه لا يتجرأ أحد أن يقسم به إذا كان كاذبًا؛ خوفًا من بطشه وانتقامه في الدنيا والآخرة، وأما إذا أقسم بغيره فما أسهل أن يتجرأ على الكذب؛ لأنه يكون غالبًا في مأمن من العقاب، ولذلك فلا يُعتَد بقسمه عند الناس وفي المحاكم وغيرها، ويؤكد ذلك في واقع الناس أنك إذا عاتبت إنسانًا مثقفًا أو عاميًا، على مخالفته بعض القوانين الوضعية أجابك: هل هو قرآن منزل حتى لا نخالفه؟! فهذا أكبر دليل على أن للقانون الإلهي مكانة كبرى في نفوس الناس، تدفع إلى تنفيذه وعدم مخالفته؛ لأنهم إن أمنوا أن تطَّلع أجهزة الدولة على فعلهم فإنهم يعلمون أن الله مطلع عليها، وأنهم سيقفون بين يديه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا جاه ولا سلطان، ولا شافع ولا نصير إلا الإيمان والعمل الصالح.
ويتبين مما سبق أن التشريع الإسلامي لا ينجح، ولا يؤتي ثمراته اليانعة ونتائجه الباهرة إلا إذا كان مصحوبًا بالعقيدة الإسلامية، فهو مبني عليها، ومستند إليها، وصدق من قال:"خذوا الإسلام كله أو فدعوه". وقبل ذلك قول الله - عز وجل - في محكم التنزيل منكرًا على من يؤمن ببعض الدين ويكفر ببعض: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] . ومثل ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } ؛ [النساء: 150، 151] .
ملحوظة: