فهرس الكتاب

الصفحة 14763 من 19127

ثم قصد السلطانُ قصر الإمبراطور قُسْطَنْطِين، فرأى ما فيه من الأُبَّهَة والعظمة وقد اغبرَّ بآثار الحرب والحصار، وأقْفَرَ من سكانه، وعشَّشَتِ العناكب في جدرانه، واستبدل في ليلة وضحاها حاكمًا بحاكم، وسيدًا بسيد؛ فكان عبرة بالغة، اعتبر بها السلطان الفاتح فقال - رحمه الله تعالى:"إن العنكبوت قد نسجتْ بيوتها في قصر الأباطرة، وإنَّ البوم ينعق فيها نعيقاً محزنًا" [21] .

وأمر السُّلطانُ بمُداواة الجرحى من النصارى، وفدى كثيرًا من كبار الأسرى، وأمر بدفن قُسْطَنْطِين في مقبرة ملوك النَّصارى، ثُمَّ أمر النَّصارى أن ينتخِبوا أحد رهبانهم بطريركًا لهم، فجعله مسؤولاً عن شؤونهم وزواجهم وميراثهم وما يتعلَّق بدينهم، وأعطاه مقرًّا لعمله، وبالَغَ في إكرامه، حتى خجِل النصارى من كرم الفاتح فقال البطريرك:"إن الأباطرة النصارى لم يفعلوا قطّ مثلَ هذا لِمَن سَبَقَهُ مِنَ البَطَارِكَة".

وقد قال المؤرخون:"إنَّ السّلطانَ الفاتح قد حنا على أهْلِ القُسْطَنْطِينيَّة حُنُوَّ الوالد الشفيق العطوف على ولده" [22] .

ولم تمضِ إلا أيامٌ على فتحها حتى ساد الأمن والسكينة رُبُوع المدينة، واستأنف الناس حياتهم وأعمالهم، وفرح كثيرٌ منَ النصارى بهذا الفتح لما رأوا العدل الذي لم يكن موجودًا من قبل، ودخل كثير منهم في الإسلام.

أيُّها الإخوة المؤمنون: أتدرون - رحِمَكم الله تعالى - كم كان عمر هذا السلطان لمَّا أتمَّ الله - تعالى - له هذا الفتح المبين لهذه المدينة العتيدة؟! لقد أجمع المؤرخون من عرب وترك وروم وإفرنج على أنَّه لم يكن يتجاوَزُ الخامِسَةَ والعشرين من عمره [23] ، وقد قاد هذا الجيش العَرَمْرَم في البر والبحر، وبنى القلاع العظيمة، وفتح هذه المدينة المنيعة، ثم لم يستخفّه الفتح؛ بل عمِلَ فيها وفي أهلها عَمَلَ أهْلِ الحكمة والرأي والخبرة، ملتزمًا شريعة الإسلام التي هي العدل والرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت