فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعند الظهيرة تَوَجَّه السلطان الفاتح إلى القسطنطينية على ظهر جواده، يحف به كبار قادته، وهَنَّأَ جنده بالنصر، ونَهَاهم عن القتل والسلب، وأوصاهم بأن يكونوا أهلاً لهذا الشرف والمجد بأخلاقهم الكريمة، فلمَّا توسَّط في المدينة ترجَّل عن فرسه، واستقبل القبلة، وسجد على الأرض، وحثا التراب على رأسه؛ تواضُعًا وشُكرًا لله - تعالى - على ما منحه من توفيق ونصر، ثم استأنف سيره إلى أكبر كنيسة للنصارى وهي كنيسةُ القديسة (أيا صوفيا) ، ولما اقترب منها وصلت إليه أصواتٌ خافتة حزينة هي أصوات النصارى بداخلها، يصلون ويدعون بالنجاة، فقصد أحد أبوابها، فأمر الراهب بفتح الباب على مصراعيه، وانتاب الناسَ خوفٌ عظيم، وتوجَّسوا شرًّا مُسْتطيرًا، وانقطعوا عمَّا كانوا عليه، وسجد الفاتح مرة أخرى يشكر الله - تعالى - ويحمَدُه، ثم أمر النصارى بالعودة إلى منازلهم آمنينَ على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يعود كل واحد منهم إلى عمله الذي كان يُمَارسه من قبل، فنزل هذا التأمين بردًا وسلامًا على أهل القسطنطينية، وقد كانوا يتوقعون أن ينكل بهم المسلمون.
وكان نفر من الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة خوفًا من القتل، فلما سمعوا بما فعله الفاتح، وحسن معاملته للنصارى؛ خرجوا من أماكنهم، وأعلن كثيرٌ منهم إسلامهم، ثم أمر السلطان بتحويل الكنيسة إلى مسجد، فأَذَّنَ فيها أحد العلماء، وأدَّوْا فيها صلاة العصر، ثم أعلن السلطان أنَّ أوَّل جمعة قادمة ستقام فيها الصلاة؛ فرفعت منها الصلبان، وهدمت التماثيل، وطمست التصاوير، وأنشأوا فيها مِحْرابًا ومِنْبرًا ومئذنةً [19] ، وظَلَّت مسجدًا تُقَام فيه الصلاة وحلقات العلم خمسةَ قرونٍ تِباعًا إلى أنِ استولى على السلطة: العلماني اليهوديُ أتاتورك؛ فحوَّل المسجد إلى متحف [20] ، عليه من الله ما يستحق.