فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومما يؤكد لنا شغف القوم بالجدل والمناظرة أن كل مكان يلتقي فيه العلماء تدور بينهم المناقشات الجدلية والنظرية سواء في حلقات الدروس، أو [أم] المنازل أو [أم] في المساجد أو [أم] في مواسم الحج أو [أم] غيرها بالمكاتبة أو المشافهة، واقرأ من أوثق المدونات في أوائل هذا العصر: الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي الرسالة، أيضًا تجد أثر هذا الأسلوب جليًا واضحًا في تأليفهما، واقرأ ما شئت سواهما من كتب هذا العهد التي زخرت بتلك المناظرات حتى كانت مرآة صافية تعكس عقلية أولئك العلماء وقوة ذهنهم وقدرتهم على التركيز لما يفهمونه من الأحكام وحتى ساعدت المتأخرين على معرفة وجه الرأي بين أسلافهم، وهدتهم إلى مآخذ الحكم عند كل فريق، وكان غذاء للروح العلمي فيما بعد، غير أن تلك المناظرات لم تُنْقَلْ كلُّها إلينا على حقيقتها بل تناولها المتأخرون بالتحوير والتحريف بل ربما اختلقوا مناظرات ونسبوها إلى الأولين ترويجا لمذاهبهم واستجابة لداعي العصبية المذهبية.
من سيئات الجدل في هذا الدور:
بعد أن كان الجدل يقصده العلماء للوصول إلى الحق فحسب، أصبح في هذا الدور يستخدم كثيرًا لمجرد التغلب على الخصم، وتزييف مذهب المخالف حتى انحرف عن السنن وحُشِدَ فيه مالا يتصل بجوهر الموضوعات ولذلك نرى كثيرًا مما وصل إلينا غريبًا على العلم وزائدًا عن الحاجة.
نموذج للمناظرات التي كان تجري بين العلماء في هذا الدور:
روى الفخر الرازي [65] :"أن محمد بن الحسن [66] صاحبَ أبي حنيفة) قال للشافعي يومًا: بلغني أنك تخالفنا في مسائل الغصب [67] قال الشافعي: أصلحك الله إنما هو شيء أتكلم به في المناظرة، قال: فناظرني... قال محمد: ما تقول في رجل غصب ساحة وبني عليها جدارًا وأنفق عليها ألف دينار فجاء صاحب الساحة وأقام شاهدين على أنها ملكه؟"
فقال الشافعي: أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضي - وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه.