لكن وبرغم ذلك؛ فقد كان على أي متابع موضوعي ألا يتسرع في إصدار الأحكام القبْلية بفشل المحطة، مكتفياً بالعاطفة، دون استناد إلى المعطيات المتوفرة على الأرض، فالشعارات والخطابات والآراء التي تذهب إلى أن المواطن العربي يرفض - جملة وتفصيلاً - كل ما يأتي من قبل أمريكا؛ ليست كلها صحيحة؛ فالسينما والأدب الأمريكيان وبعض المنتجات الاستهلاكية الأمريكية - على سبيل المثال - تلقى رواجاً منقطع النظير في المنطقة العربية، كما أن القنوات الإخبارية الأمريكية، وعلى رأسها"سي إن إن"و"آي بي سي"؛ تعتبر مصادر رئيسة للأخبار في العالم العربي، ومن هنا؛ فإن احتمالات نجاح محطة إخبارية أمريكية ناطقة باللغة العربية لن تكون معدومة تماماً إذا ما كانت في مستوى تلك المحطات.
لا شك أن كثيراً ممن أصدروا الأحكام بفشل المحطة، أو حتى فتاوى بتحريمها؛ كانوا مدفوعين برغبة حقيقية في إفشالها؛ خوفاً من تأثيرها السلبي على وعي المجتمع العربي، وقد غاب عنهم أن فشلها أو نجاحها لم يكن ليحدث بتحركهم ضدها أو معها بقدر ما يكون نتيجة حتمية للسياسة التي تنتهجها.
الشيء نفسه ينطبق على الطرف الآخر، الذي وعد بالكثير لكنه لم يقدم إلا القليل، دعونا نستمع إلى السيد موفق حرب (المدير السابق لقناة"الحرة") الذي يقول:"نحن نعمل لصنع معايير ذهبية يعجز عنها الآخرون: أحسن التقنيات، وأفضل المهنيين، والبرامج المبتكرة، والخلفيات التي تخطف الأبصار"، أو فلنستمع إلى وعود السيد نورمان باتيرز (رئيس إدارة الشرق الأوسط في مجلس أمناء البث المشرف على المحطة) :"إن الحرة ستقدم آفاقاً جديدة للمشاهدين في الشرق الأوسط، ونعتقد أنها ستوجد قدراً أكبر من الفهم الحضاري والاحترام.. إن جزءاً هاماً من رسالتنا هو أن نكون مثالاً للصحافة الحرة على الطريقة الأمريكية، ونكون مثل عمود نور في سوق إعلامي تهيمن عليه الإثارة والتشويه".