فهرس الكتاب

الصفحة 15502 من 19127

إن فريقًا من قومنا غطى انبهارهم بحضارة الغرب عقولهم؛ حتى إنهم يريدون منا التسليم والانقياد لكل ما يخرج من المعامل والمختبرات، والسير خلفه على أنه سائبةٌ لا ينبغي التعرُّضُ لها ولا توجيهها، فضلاً عن نقدها ولومها، وهذا يدعونا إلى إلقاء نظرة حول حقيقة مسيرة الإنسان العلمية، التي يسعى فيها لتحقيق ما يراه مصلحته ورفاهيته، فالإنسان في لهاثه العلمي إنما هو في سباق لاكتشاف جهله، جهلِه بعالم المجهول - مجهول الزمان والمكان والكم والكيف - الذي يطرقه فتنكشفُ له حقائقُ كانت حاضرةً ولا يشاهدُها، جهله الذي يراه - عندما يكتشف مخاطرَ ومضاعفات وخطأ ما ظنه سابقًا - إنجازاتٍ علميةً هائلة، والتي كانت غائبةً عنه حينما: {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس: 24] [2] .

يحاول هذا الإنسان اختراق هذا المجهول عن طريق التجربة الحسية، والحفريات والتوثيق، والتأمُّل والتحليل، والاستقراء والإحصاء، وأحيانًا عن طريق الحدس والتوهم، والمسلم يستفيد مما صلح من ذلك كله إضافة إلى وسيلة لا ينتفع بها غيرُه، ألا وهي العلمُ بالغيب الذي يخبر به الشرع، فإذا كان الأمر كذلك فإن المسلم لا يحجر على العلم الإنساني؛ ولكنه في ذات الوقت لا ينساق خلفه انسياقًا أعمى؛ بل يضعه في موضعه الصحيح: وهو أن نسبته ـ مهما بلغ ـ إلى علم الله قليلة: { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، {لا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216] .

بل حتى نفسُ الإنسان وجسدُه وروُحه وما يختلج في صدره الله أعلم به: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54] ، { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } [الإسراء: 25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت