فهرس الكتاب

الصفحة 15941 من 19127

لا سيما وقد ذكرت الكاتبة أن الطفل لديه إدراك ومقدرة على التذكر، وهذه حقيقة يعرفها المتابع المتأمِّل، وهو أمر قد عانيناه صغاراً، فقد كان الكبار يمنعوننا من أشياء يمارسونها أمامنا، ونقف أمامهم (وفي صدرونا شيء من"حتى"...) ، وشتان بين ما كانوا يمنعوننا منه في ذلك العهد الأبيض، وبين ما يُمنعُ منه الأطفالُ في هذا العهد الذي اختلطت فيه الألوان؛ كانوا يمنعوننا من شرب الشاي الأحمر، ومن شرب القهوة؛ وهم يشربونهما أمامنا، ومن المكث بينهم في وقت القيلولة، في زمان كانوا فيه يقيلون، وقد اختزنت هذه الممنوعات في أذهاننا حتى كبرنا، فعرفنا فيما بعدُ شدةَ شفقتهم علينا، لما عرَفنا مضار الشاي الأحمر، والقهوة على الصغار، أما القيلولة -وهي من مسهلات قيام الليل- فما عاد أبناؤنا يعرفون حتى لفظها، ولماذا تكون، ومتى يحين وقتها؟!! لأننا لا نقيل، ولا يعرف الصلاةَ في الليل منا إلا القليلُ، فقد كانت الصلاة عند كبارنا أحلى من عصير القصب، أما صلاتُنا فما يجد أحدُنا فيها من حلاوة إلا كما يجده من ذاق طعماً باهتاً في القصب الناشف، هذا إذا وُفّق لتذوق حلاوة ما!! ولم يحدث هذا التغير لأن الأرض قد تبدلت غير الأرض، وإنما حدث ذلك بسبب تغير أنماط الحياة، فتغير تبعا لذلك ما بأنفسنا، وتردى ما بدواخلنا، فالأوائل {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17-18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت