وكان كبارُنا يذهبون في الغداة إلى الحقول أو المراعي، ثم بعد أن ترمَض الفصال قليلا يؤوبون إلى الديار لأخذ حظهم من الطعام ويخلدون قبل الظهر للراحة، وهذه الراحة تسمى القيلولة، يستعينون بها على دندنة عذبة في الأسحار، وقد رُوِي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( قيلوا فإن الشيطان لا يقيل ) ) [1] ، فكم -والله!- أغبط الأوائل على ما كانوا فيه من حلاوة العيش برغم امتزاجها بالشدة والتعب، وكم أختزن في ذاكرتي وأنا صبي تلك الدندنة العذبة في الأسحار.
فلما تجددت أشجان الذكرى تذكرت ما يردده الناس في ربوعنا من شعر يمتدحون به شيخاً عابداً، ويذكرون أن وقته يضيق عن الاستماع إلى المذياع؛ لما فيه من تضييع للأوقات، وإفساد للألباب بما فيه من موسيقى وألحان لم يأذن بها الله جل في علاه، وإن من صِدْق لهجته في الدعوة إلى الله تعالى أن جاء بالعُصاة من النوادي، وأبدلهم بالشرب الحرام حلالاً.
وتذكرت فيما تذكرت مشهداً عجيباً؛ بكى فيه عمنا عبد الرحيم ولد محمد -رحمه الله- لما رأى جهاز التلفاز في صحن المسيد [2] ، برغم أنه أحضر لتعرض فيه بعض الأعمال الدرامية الإسلامية، ولكنه لم يفهم من دخول التلفاز إلى باحة المسيد إلا دخول الفساد، وهو ما لم يشاهده في أيام شبابه وعنفوانه، فماذا يا ترى يكون حاله لو شاهد الفضائيات الخليعة، ما أظن البكاء يزيل لوعته، ولن أبالغ إن قلت إنه سيصاب بلوثة في الدماغ لا يفيق منها إلا على خير في رحاب الدار الآخرة إن شاء الله.