ولقد حبب الله - عز وجل - إلى رسوله الخلاء في غار حراء، في فترة الإعداد لتلقى الرسالة؛ لضرورة هذا الأمر للدعاة إلى الله؛ فلابد لهم من فترات يخلون فيها مع أنفسهم، ويتزودون بما يعينهم على هذا الأمر؛ فالروح تحتاج إلى خلوة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس؛ فلابد من فترة للتأمل والتدبر، والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه.
وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله - تعالى - وتجعله قادراً على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس، في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النّوام على الفرش.
لذا؛ كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدح الله عباده، وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر:9] .
وقيام الليل سنة مؤكَّدة، حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أدائها بقوله: (( عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد ) )؛ رواه الترمذي وأحمد.
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل ) )، وقد حافظ - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل، ولم يتركه سفراً ولا حضراً، وقام - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - حتى تفطّرت قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: (( أفلا أكون عبداً شكوراً ) )؛ متفق عليه.
حلاوة ولذة