فهرس الكتاب

الصفحة 16051 من 19127

الذين جربوا لذة قيام الليل يُؤْثرون لقاء الله على الراحة، بل ويصل بهم الحد إلى هجر المضاجع ومجافاتها؛ لأن هناك ما هو أحب وأعظم؛ يقولُ تعالَى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة:16] ، أي: يخاصمون مواضع نومهم، ويُقْبلون على عبادة ربهم بقيام الليل.

وقد كان الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبّون قيام الليل، ويفضّلون الموت على ترك القيام؛ فقد طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من عبَّادِ بنِ بِشْرٍ - رضي الله عنه - أن يتولَّى حراسة المسلمين في إحدى المعارك؛ فأخذ يقوم الليل، وأثناء حراسته جاء أحد الأعداء؛ فضربه بسهم وقع في كتفه؛ فأخرج السّهم، وأكمل الصلاة؛ فضربه الرجل بسهم آخر؛ وقع في كتفِهِ؛ فأخرجَهُ وأكْمَل صلاته؛ فضُرِب بسهم ثالث؛ فأخرجه وركع وسجد وسلّم، ثم أيقظ أحد الصحابة؛ فقال له: لِمَ لَمْ توقظْنِي؟ فقال له: كنتُ في ركعتين، وكنت في قراءة لسورة مِن سور القرآن، لئن أقرؤُها أحبُّ إلَيَّ منْ خروج رُوحي.

وكان هناك غلام صالح يقوم الليل كله، وعندما سئل: مَا الَّذي يدفعكَ إلى ذلك؟ قال: إذا ذُكِرَتِ النَّارُ، اشتدَّ خوفِي، وإذا ذُكِرت الجنة، اشتدَّ شوقي، فلا أقدِر أنْ أنام.

الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - الذي كان يقَسِّمُ الليل؛ فيقوم الثلث الأول من الليل، ثم يوقظ زوجته؛ فتقوم الثلث الثاني، ثم توقظ الأمُّ ابنتَهما؛ فتقوم الثلث الأخير، وفي الليلة التالية، تقوم الأم الثلث الأول، ثم توقظ أنساً؛ ليقوم الثلث الثاني، ثمَّ يوقظ ابنته؛ لتقوم الثلث الأخير، وهكذا كان بيت أنس يحظى بشرف قيام الليل كاملاً، فيا لها من منزلة عظيمة! ويا له من شرف كبير!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت