فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذه جارية للحسن البصري - رضي الله عنه - عندما باعها رجعت إليه تقول:"يا مولاي، رُدَّني؛ لقد بعتَنِي إلى قوم لا يقومون الليل، ولا يصلون إلا الصلواتِ الخمس".
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكثر من قيام الليل؛ حتى إن قيام الليل ترك أثراً واضحاً في ملامحه؛ فكثرة البكاء بين يدي الله في القيام؛ ترك خطين أسودين في وجهه، ومن أقواله:"لم يبق مِن حلاوةِ الدنيا إلا ثلاثة أشياء: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة". وكذلك ابن مسعود - رضي الله عنه - كان إذا هدأت العيون، يُسمع له دويٌّ كدويِّ النَّحْلِ، وهو يصلِّي.
وهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - كان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا. فالليل كله صلاة ومناجاة، ودموع وخشوع، وذكر وشكر، والشعار:"لا للفرش الوثيرة، والنوم اللذيذ".
ولله در الفضيل بن عياض، وهو يعرض وضعاً شعورياً إيمانياً بديعاً؛ حيث يقول:"أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب؛ فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظكِ من الآخرة".
ولا تنس أنهم كانوا بذلك التعب يتلذذون، وبالقيام يفرحون، وبعيون غير أعيننا إلى الليل ينظرون؛ فهو عندهم موطن تنتعش فيه الأرواح، وتبتهج وترتاح، وتتقلب بين مسرات وأفراح، وتكثر من المساءلة والإلحاح، فهي قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وما يَرِدُ عليها في تلك المقامات؛ ولذا جاءت وصاياهم وقد عملوا، وتذكيرهم وقد اعتبروا، وحثهم وقد سبقوا، فها هو الحسن ينادي بكم قائلاً:"كابِدوا الليل، ومدوا الصلاة إلى السحر، ثم اجلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار".