روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال:"... فَزِع أهلُ المدينة ذات ليلةٍ فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم"راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت"... وهو يقول:"لم تُراعوا، لم تُراعوا"الحديث" (البخاري/ الجهاد/ 82 وفي غيره، ورواه غيره) . لقد تعوَّد أهلُ الحديث أن يذكروا هذا الحديث في باب شجاعته صلى الله عليه وسلم، والأمر كذلك، ولكنِّي أشير إلى صفةٍ أخرى عظيمة فيه صلى الله عليه وسلم، تلك المسارعةُ والمبادرةُ إلى الفعل دون انتظار لأحدٍ أن يقوم به، أو التواكل على مبادرة الآخرين: (لعلهم يسارعون ويريحونني!) لم يُفكر على هذا النحو، بل إنك لترى أنَّه صلى الله عليه وسلم يُفكر ويتحرك وكأنه لا يوجد في المدينة سواه! لاحِظ قول الراوي (راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت) !
وللذين يُفكرون، ويتساءلون: ما الذي فعله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيمن حوله! وكيف كان جيلُ الصحابة مُتفوقاً ذلك التفوق الذي لم يتكرر بذلك العدد، وبتلك الفاعلية! أقول: إنها تلك الفاعلية التي صاغها صلى الله عليه وسلم فيمن حوله، حتى وصل كلُّ واحدٍ منهم إلى الاعتقاد بأنَّ أيَّ غفلةٍ أو سِنَةٍ منه تعني أن يؤتى الإسلام من قِبَله، وتعني أن تُصاب الأمةُ بسببه، هكذا فهموا عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"إنك على ثغرة فلا يُؤتينَّ من قِبَلِك". وإنه ذلك الخطاب الذي أزال التَّبلُّد والتَّكاسل من نفوسهم، وزرع مكانَ السلبية والتحللِ من الالتزام، صفةَ الإيجابية والالتزام.