فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذا هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم، فصارت الفاعليةُ ظاهرةً اجتماعية، ونمطَ حياةٍ في الجيل الأول - أعني الصحابةَ رضوان الله عليهم -؛ لأنَّهم تربوا على منهجية تَعِي الإسلامَ من حيثُ هو عمارة للحياة والأرض، وليس فقط مجموعةً من العبادات تبدأ بسجادة الصلاة، وتنتهي برمي الجمار! لقد كان مقياسُ التدين عندهم: المسؤولية، والإرادة، والأخلاق، وهذه كلها تؤدي إلى التزام كلِّ ما هو مطلوب من العبادات، والسلوكيات الظاهرة! وتدبر معي هذه الكلمة لعالمٍ فقيه، ومفكرٍ عميق، لم يأخذ حقَّه من الاهتمام، ولم يصلنا من كتبه إلا القليل، إنه ابن عقيل الفقيه الحنبلي ! قال رحمه الله:"إذا أردتَ أنْ تعلم محلَّ الإسلام من أهل الزمان - زمانه هو! توفي عام 513هـ -، فلا تنظر إلى زِحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم بلبّيْك، وإنَّما انظر إلى مواطأتهم أعداءَ الشريعة".
إنَّ زرع مفهوم المسؤولية لدى الإنسان، وأنه هو الذي يصنعُ التاريخ، يُنشئ لديه إرادةً نحو التغيير لا يستطيع لها دفعاً، ونحو المبادرة، والتصدي والمسارعة لحمل المسؤولية. وهكذا ربَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم!
ثُمَّ إنه خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا المنهج، فضلَّت المفاهيم، فتحولت الفعالية والمسارعة والإحساس بالمسؤولية إلى حالات فردية، وطفرات شاذة، بعد أنْ كانت منهجًا عاماً! ولا عجب فالمفاهيم السليمة تُوجِد المناخ الجيد، وهو بدوره يُبْرز أحسن ما في الإنسان! والمفاهيمُ القاتلة أو الميتة، تُوجِد مناخاً سيئاً، وهو بدوره يُبْرز أسوأ ما في الإنسان!
فكيف حصل هذا؟!!
لقد وضع الإسلامُ الإنسانَ وجهاً لوجه أمامَ مسؤولياته في عمارة الأرض، وذلك من خلال منظومةٍ فكريةٍ مترابطة، غيَّرت نظرةَ المسلم الجديد للحياة، والكون، ولدور الإنسان فيهما:
-فهو فاعلٌ حقيقيٌّ لِما يصدر عنه من أفعال، إذن هو مسؤول عن عمله مسؤوليةً مباشرة.