-وإنَّ عمله جزء من إيمانه، فكما سيُسأل عن قناعاته القلبية، سيُسأل عن أعماله التي هي في الحقيقة انعكاس لهذه القناعات، ودليل عليها.
-وإنَّ التدين المنعزل عن الحياة تديُّنٌ مرفوض، لا يُقبَل من صاحبه، إذ ذات الصلاح لا يُنقذ الإنسان من فساد الدنيا، ومن مسؤوليته عن هذا الفساد، فلا بدَّ أن يكون مصلحاً كي يَرفع المسؤولية عن عاتقه، {وَمَا كانَ ربُّكَ ليُهْلكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهلُهَا مُصِْلحُون} . هذه هي القضايا الأساسية التي صنعت الإنسانَ الذي غيَّر العالم! بالطبع أنا أتحدث عن القيم العملية. وإذن كانت هذه هي الثقافة المُوجِّهة للعقل المسلم، ثم بدأ الانحراف ينخر في هذه المفاهيم، فدخل الفكرُ الإرجائي على العقل المسلم فأفسد عمله، وقلَّل إنتاجيته، إن لم يكن أنهاها في كثير من الأحيان، لدى كثيرٍ من الناس! وانحرف مفهومُ القدر في الحسِّ المسلم من خلال الجبر المَحْض، أو من خلال النسخة المُعدَّلة على الجبر وهي كَسْبُ الأشاعرة، والتي لا تختلفُ عن الجبر إلا في شكل الكلمة، وقد صرَّح بذلك بعضُ كبارهم فقال معبراً عن نظرية الكسب التي حاول الأشاعرة تلفيقها من الاختيار والجبر"إنَّ الإنسانَ مجبورُ في صورة مُختار" (معالم أصول الدين: 107 للرازي) . هذه الفكرة ألغت من ذهن المسلم أيَّ مسؤوليةٍ له على أفعاله، والأخطر أنَّها زرعت في عقله عبثية المبادرة إلى التغيير، فما هو إلا ريشة في مهب الريح! ثم كان الانحراف الثالث وهو اختلاف معيار الالتزام، فبعد أنْ كان يُقاس تدينُ المسلم بمدى حمله للهمِّ العام، تحوَّل إلى تديُّنٍ فرديٍّ، هدفُ صاحبه أن ينجوَ برأسه، وليذهب إلى الجحيم كلُّ الآخرين! وكلُّ قضايا الأمة! وقد يخطر على بال أحدهم أنَّ هذه المسائل، مسائل علمية يَقتصر بحثُها، ومن ثَمَّ أثرُها، على دور العلم، فهي مسائل أكاديمية، فما للناس وما لها؟! ولا شكَّ في أنَّ هذه النظرة خاطئة وخطيرة، ذلك أنَّ هذه الأفكار