فهرس الكتاب

الصفحة 16134 من 19127

صنعت الوجدانَ المسلم ولم يقف أثرها عند العلماء، فقد كانت الثقافةَ التي يُخاطَب بها المسلم، وهي التي شكَّلت سلوكَه ومواقفه من الأحداث، وحدَّدت نظرته لدوره في الحياة. لقد قَتلت هذه الأفكارُ القاتلة أيَّ مبادرةٍ أو فاعلية في المسلم، للدرجة التي يظنُّ عندها أنه لا علاقة له بشيءٍ ممَّا يحدث حوله، بل إلى الدرجة التي لا يظنُّ عندها أنُّه مخطئ! ومن عجائب الأمور أنَّني لاحظتُ وأنا أقدِّمُ موعظةً قصيرة لأهل المسجد - مثلاً - عن خللٍ أعرفُ أنَّ أغلب مَن أمامي مُبتلىً به، أنَّهم يتعجبون مِمَّن وقع في هذا الخلل، وتراهم ينظر بعضُهم إلى بعض، مُنكرين، مُتعجبين، ولسان حال كلٍّ منهم: الحمد لله الذي عافاني مِمَّا ابتلى به كثيراً من خلقه!!

إنَّ التغيير يبدأ في القيم والتصورات، وطريقةِ التفكير، وأسلوبِ مواجهة المشاكل، وتحديد الموقف من المسؤولية الإنسانية. ودون هذا لا يمكن أنْ تكون الحياة الإنسانية طبيعية، فضلاً عن تحقيق النَّهضة والتغيير. وهذه الأمور بالذات كانت وراء نهضة أوروبا منذ العصور الوسطى، فقد حصل انقلاب في القيم العملية في العقل الأوروبي بعد انتشار المذهب البروتستنتي، الذي كان من أهم أفكاره الأساسية: أهمية دور ومسؤولية الإنسان في إدارة الحياة، وإحياء المنطق العملي. وقد لاحظ بعض الباحثين الغربيين أنَّ ذلك الانقلاب الهائل بدأ في البلاد التي اعتنقت المذهب البروتستنتي. وحسب كلام هذا الباحث فإن"كلفن"- أحد مؤسسي البروتستنتية - أعطى أوروبا فكرتي العلم والعمل ورجوعاً إلى منطقتنا فإنَّ هذه القضايا إذا لم تأخذ ترتيبها الذي تستحقه على سُلَّم خطابنا المعاصر فإنَّ حالنا سيبقى كما هو، وسيبقى إنسانُ المنطقة يظنُّ أنَّه آخرُ المعنيين بأيِّ إصلاح، وسيقرعُ سمعَه النداءُ تِلوَ النداءِ لكنَّه سيظلُّ مُنْتَصِتاً، في حين إنَّ القلبُ في صَمَم ! وسيستمر بالسؤال بكلِّ بَلاهةٍ كلما سمع قرْعَ الأجراس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت