وجاء نصرُ الله والفتحُ، وأكمل الله الدينَ، وأتم على الناس النعمةَ، ورضي لهم الإسلام ديناً، فآمنوا ودخلوا في دين الله أفواجاً، وألقى الإسلام بِجِرانِه إلى الأرض، فانزوى الدُّعَّار، وارعوى الأشرار، بعد أن كانوا قد سَعَّروا البلاد، وأرهبوا العباد، وتحققت النبوءة الكريمة، وعاشت أختُ فاطمة آمنةً في حِلِّها وترحالها، وصَدَّقتْ بكلمات ربها وكتبه ورسله، واستقامت على طاعة الله، ورعتْ مكارمَ الأخلاقِ في نفسها، وفي بيت زوجها، وتسربلتْ بلباس التقوى، فانصلح الولد وأمِن البلد، وكان ديدنها في ظل هذه النعمة التواري حياءً من أعين الناظرين، ولأنها أدركت أن النظرة أمضى من السهم الغشوم العائر، فلم تكن تخشى شيئاً أشد من خائنة الأعين، فاتخذت من دونها حجاباً لتأمن النظرات المفاجئة والخائنة معاً. وهذا التواري جعلها مَهِيبةً في صدور أهل الشر قبل أهل الخير.
كان الحجابُ حصنَها الواقي، ودرعها الحصين من تلك السهام، فعززته بحجاب مستور، تمثل في تحصنها بذكر الله تعالى وتلاوة آياته البيِّنات. وقد يئس أولو المكر السيئ أن يخترقوا الحجابَ الظاهر؛ كأنْ قد صار في أعينهم حائطاً صخرياً، يستعصي على المعاول القوية، في حين ظل الحجابُ المستور حرزاً منيعاً يتقهقرُ دونَه الشيطانُ وأعوانُه.
تولت المرأةُ تدبيرَ أمور التربية الجسدية والأخلاقية في البيت المسلم، فأشرفت على تنشئة الأفراد على الفطرة السليمة، والسلوك القويم، حتى تجاوز أحمد شوقي الحدَّ في تبجيلها، فقال:
لولا التقى لقلتُ لم يَخْلُقْ سواكِ الوَلَدَا
إن شئتِ كان العَيْرَ أو إن شئتِ كان الأسَدَا