فهرس الكتاب

الصفحة 16192 من 19127

بينما كان الخلف في عامتهم قد أفسد فطرتهم وأضل عقولهم ما درسوه من علم المنطق والفلسفة والكلام، فاختلطت هذه الثقافات، والأفكار، بتعاليم الإسلام وثقافته، وحاولوا الجمع بين الثقافتين، ولكن كان هذا على حساب نقاء تعاليم الإسلام وتوجيهاته، فقدت نفوسهم رواءه، وشوه صنيعهم جماله، وأما السلف فكانوا بمنأى عن كل ذلك، ولهذا تميز فهمهم للدين بالأصالة والصفاء والسلامة من التبديل والتحريف.

5-أنهم عرفوا حقيقة الجاهلية التي جاء الإسلام للقضاء عليها، لأن بعضهم عاشها بنفسه، والآخرون كانوا حديثي عهد بها، نقلها إليهم أهلوهم وأقاربهم، فلما جاء الإسلام ميزوا بينه وبين الجاهلية، وأدركوا البون الشاسع بينهما، بينما فقد المتأخرون من أجيال الخلف معنى الجاهلية الحقيقي، فاختلط عليهم الأمر، فسوغوا أموراً في الإسلام هي من الجاهلية، والإسلام منها براء، وخذ مثلاً على ذلك، أمراً مشاهداً وملموساً في كثير من بلاد الإسلام وهو تعظيم الأولياء والصالحين، وقصد قبورهم وبناء أضرحتهم، والطواف حولها، والتبرك بها، والتوسل إلى الله بها، بل والنذر لها والذبح لها والاستغاثة بها، ذلك كله يظنه كثير من المسلمين في العالم الإسلامي اليوم مع الأسف جائزاً ومشروعاً، بل يعتقدون أنه من القربات التي يحبها الله ويرضاها، ويقرب من يتعاطاها، مع أن نصوص القرآن والسنة مستفيضة في إنكار ذلك ونقضه، لكنهم يظنون أن الإنكار كان منصبا على عبادة الأصنام فقط، وأما إذا توجه التقديس والعبادة لغير الأصنام كالأنبياء أو الأولياء فليس في ذلك بأس، وليس محل إنكار، ولو أمعنت النظر في سبب ذلك لوجدته في عدم معرفة حقيقة الجاهلية التي حاربها الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت