ويتأكَّد الحديث عن سيرتهم وأيامهم إذا كان المنافقون والكافرون يجلبون بخيلهم ورَجْلهم؛ لتشويه تلك الصورة النَّاصعة في تاريخ البشرية، ويُعلنون نَبْذَ كلَّ قديم، ويصيحون بطرح ما عَلَقَ في الأذهان من الماضي، زعمًا أن ذلك سبب التخلُّف والرجعيَّة، حتى ولو كان دين الله تعالى متمثِّلاً في القرآن العظيم وسنَّة سيد المرسلين - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأخبار صحبه الكرام - رضيَ الله عنهم وأرضاهم. هذه مقولة المنافقين، وهذا وِزْرُهُم: {أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] .
أيها الإخوة:
وهذه لمحاتٌ من سيرة داهيةٍ من دُهَاة العرب، وفَذٍّ من أفذاذ قريش، يُضْرَب به المَثَل في الفِطْنَة والدَّهاء والحزم، تأخَّر إسلامه إلى الثامنة من الهجرة؛ حيث هاجر فيها ومَثَلَ بين يَدَي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - معلنًا إسلامه.
لمَّا سئل عن سبب تأخُّر إسلامه وهو صاحب العقل الراجح قال - رضيَ الله عنه وأرضاه:"إنَّا كنَّا مع قومٍ لهم علينا تقدُّمٌ وسنٌّ، توازي حلومُهم الجبال، ما سلكوا فجًّا فتبعناهم إلا وجدناه سهلاً، فلما أنكروا على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنكرنا معهم، ولم نفكِّر في أمرنا، وقلَّدناهم، فلَّما ذهبوا وصار الأمر إلينا؛ نظرنا في أمر النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإذا الأمر بيِّنٌ؛ فوقع في قلبي الإسلام" [2] .
إنه عمرو بن العاص - رضيَ الله عنه وأرضاه - يحكي قصة إسلامه فيقول:"لما انصرفنا من الخندق جمعتُ رجالاً من قريش، فقلتُ: والله إنَّ أمر محمد يعلو علوًّا منكرًا، والله ما يقوم له شيءٌ، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: وما هو؟ قلتُ: أن نلحق بالنجاشيِّ على حاميتنا؛ فإن ظفر قومُنا، فنحن مَنْ قد عرفوا، نرجعُ إليهم. وإن يظفر محمدٌ فنكون تحت يدي النجاشيِّ، أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يَدَي محمد. قالوا: أصبتَ. قلتُ: فابتاعوا له هدايا".