فقررت قريش معاقبة هذه الفئة المسلمة المارقة ومن تعاطف معها، فاجتمع رؤساؤهم في خيف بني كنانة، (ويسمى اليوم بالمعابدة) ، اجتمعوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب اقتصاديًا واجتماعيًا، وكتبوا في ذلك كتابًا:
(ألا يزوجوا إليهم، ولا يتزوجوا منهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم شيئًا، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم) حتى يسلّموا إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وعُلقت هذه الصحيفة الظالمة في جوف الكعبة تأكيدًا على التزام ما فيها.
وكان الذي كتب هذه الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري، فدعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فشلت أصابعه.
سارع المشركون في تطبيق هذا الحصار عمليًا، فلم يتركوا طعامًا يدخل مكة، ولا بيعًا إلا بادروا فاشتروه بأضعاف ثمنه حتى لا يشتريه بنو هاشم ولا يبيعونهم شيئًا مما عندهم أبدًا.
وهكذا قلَّ الطعامُ، ونقص الزادُ، وجهد المسلمون وأقاربهم وحلفاؤهم من هذا الحصار، والتضييق الاقتصادي.
أما أبو طالب عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد وقف موقفًا عظيمًا شريفًا في حماية النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبيت الليل مستيقظًا، يحمل سلاحه، ويطوف في الشعب مع جماعة من بني هاشم، ثم ينامون النهار، وكان أبو طالب يأمر حمزة والعباس أن يرابطا على مدخل الشِّعب ليرصدا تحركات المشركين، خوفًا من غدر أو غيلة تستهدف حياة ابن أخيه.
بل بلغ من خوفه وحرصه على حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينام على فراشه، ويأمر أحد بنيه أن ينام مكان النبي -صلى الله عليه وسلم-.
مضت الأيام والأشهر وحال المسلمين المحاصرين يزداد من سوء إلى أسوأ، وعم الجوعُ بين أهل الشِّعب، وندر الكلام، وقلت الحركة، وكان يُسمع من وراء الشِّعب أصواتُ النساء والصبيان يتضاغون من الجوع، وبلغ بالناس من الخماصة شيء لا يكاد يصدق حتى أكلوا ما يمكن أكله.