فهرس الكتاب

الصفحة 16228 من 19127

ولعل موقفًا واحدًا يصور لنا شيئًا من حالة الجوع التي عاناها النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المحصورين.

فها هو ذا سعد بن أبي وقاص يذكر لنا موقفًا لا ينساه في الشِّعب؛ فيقول: (خرجت ذات يوم ونحن في الشعب لأقضي حاجتي فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها فغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها، وسففتها بالماء، فتقويت بها ثلاث ليال) .

يحدث هذا في الشِّعب، وأهل مكة مقيمون في ديارهم مطمئنون، منعّمون.

ومن المواقف المذكورة أيام الحصار:

أن بعض المشركين كان يتعاطف مع أرحامه المحصورين هناك، فكانوا يرسلون إليهم حملات إغاثية ليلاً، يستخفون بها عن أعين قريش.

فكان أحدُ المشركين -وهو هشام بن عمرو العامري- يحمل البعير بالطعام والثياب، ويأخذ بخطام البعير حتى يقف على رأس الشِّعب، ثم يخلع خطام البعير ويطلقه في الشعب. وكان حكيم بن حزام يرسل الطعام لعمته خديجة بنت خويلد سراً، فرآه أبو جهل يوماً، فجعل يمانعه عن إيصال الطعام، ويهدد بفضحه والتشهير به، فجاء أبو البختري بن هشام فوقف مع حكيم بن حزام، وحصلت مشادة بينه وبين أبي جهل انتهت برض رأس أبي جهل بحجر حتى أدماه، وانطلق حكيم إلى عمته بالطعام.

الشاهد من هذه المواقف.... أن المعونات الغذائية كانت تدخل إلى الشِّعب سراً، وكانت قليلة جداً..

إخوة الإيمان..!

مع ما أصاب المسلمين من الجهد والبلاء في الشِّعب، إلا أن هذا البلاء لم يكن شراً محضاً، بل كان يحمل في طياته من الخيرية للدعوة المحمدية، ما لا يدركه البشرُ بعقولهم.

فمع ما في هذا البلاء من رفعة الدرجات وتكفير السيئات لأهل الإيمان، إلا أن هذه المقاطعة والتجويع القهري، كان حدثاً إعلاميًا تسامع له العربُ، وتساءلوا عن سبب هذه المحاصرة الاقتصادية، التي أخرجت قريشًا عن رشدها ووقارها، فجعل العربُ في غير مكة يتلمسون أخبار هذا النبي، ويتلهّفون لمعرفة حقيقة دعوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت