الأول: ابن يرى أن والده لايحسن التقدير في مجال معين، ويرى أنه بلغ من العقل في ذلك المجال ما لم يبلغه أبوه، فإذا أصدر والده أمراً يخالف ماقرره، لم يعبأ به كثيراً فهو يرى أن هذا من تخصصه لامن تخصص والده. ولكن قد يأمره والده بأمر يرى صوابه، وإن كان لايندرج تحت تخصصه، إلاّ أنه ههنا يطيعه، وهذه حال بعض العلمانيين مع شرائعهم، وتجد مثل هذا الصنف يصر على أنه متدين، وربما ذكر أحدهم أنه يقرأ الإنجيل كل صباح، بل ربما القرآن!
أما المثال الثاني: فهو لأناس ضعفت العلاقة بينهم وبين أديانهم، فهم أقل تمسكاً والتزاماً بشرعهم، غير أنهم يرون أن ثمة صلة لاتزال تربطهم به فهم ينسبون لدين أو يحسبون عليه على أي حال، ومثل هؤلاء مثل الابن العاق الذي قد لا يعبأ بأمر أمره به والده يرى أن فيه كبتاً لحريته فهو (عاق) ، ولايخرجه من هذا العقوق أن يطيع له أمراً يوافق إرادته، فهو عاق وسيفعل ما أراد في الحالين طالما أن له القدرة على ذلك، إذاً لا قيمة لأمر والده من جهة منعه إذا أراد أن يفعل، ولكن لا يعني ذلك أنه لا قيمة له في شحذ همته وحثه على الإقدام على ما أراد فعله! أو كفه عما أراد تركه، وهذا طبع في النفس البشرية، فإذا أرادت أن تقدم على فعل مقتنعاً بصوابه، يسرك ويشحذ همتك ويزيد في عزمك حث صديق لك أو قريب.
وهكذا حال العلمانيين مع شرائعهم، فهما أحد رجلين يصورهما المثالان المضروبان.
ومن هنا فقد يكون الغرب علمانياً، ولكن لايعني هذا أنه لا قواسم مشتركة بين العلمانية وكافة الأيديولوجيات أو أنها لاتلتقي في نقاط، بل قد تكون هناك دوافع أيديولوجية تلتقي مع الفكر العلماني في قضية معينة أو لاتتعارض مع كون صاحبها علماني.
فلايعني كون دولة ما علمانية ألا تدفعها دوافع أيديولوجية لسن تشريع معين في ما يسمى بالأحوال الشخصية مثلاً، أو على الأقل لا يعني كونها علمانية أن لا توافق بعض تشريعاتها تشريعات جاءت بها الأديان السماوية.