لقد أدى وقوع العرب تحت التأثير الغربي المباشر -من خلال الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798م والغزو الثقافي لعقول المسلمين- إلى شعور قسم من المفكرين بهزة قوية، وقفت أمامهم الحضارة الغربية مثالا غالبا، أولع المغلوب بتقليده، وظهر ذلك التأثير في مظهرين، أحدهما أوضح من الآخر، وهو الداعي إلى (التباهي) في ثقافة الغرب، يمثله طه حسين ولطفي السيد وغيرهما، والآخرُ لم يجهر بما جهر به الأول، ولكنه همس محاولا التوفيق بين ثقافة الأمة والثقافة الجديدة، وأبرزهم رفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهما. وقد خطّ كل فريق له في مستقبل الفكر العربي خطا ممتدا؛ لكن الواقع أعضل الفريقين وأعياهما؛ فلا العرب قبلوا الاندثار أو الانحلال، ثم التشكل، ولا محاولاتُ التوفيق أفلحت في إحداث التقارب مع الغرب، أو في إنهاض العرب.
وأنتجت هذه الحالة الصعبة والخطرة معا، ضياعا وفراغا تحياهما الشعوب العربية اليوم، تجلى في فئة الشباب، في وقت استأثرت فيه المؤثرات الغربية بالنصيب الأوفر من التأثير الفاعل المنظم بتقنية عالية، وراحت آلة العولمة الثقافية والإعلامية تحرث في أرض العرب؛ فتقطع تلك الجذور السطحية، وتعزق فيها من بذورها.
والآن تحل في أوساطٍ من شباب المسلمين قيم الحرية الشخصية بمفهومها الغربي محل الحفاظ على الشرف والعرض، وتأتي النفعية الفردية والمداجاة والتذبذب مكان الروح الجماعية والأنفة، وغلبت عليهم ثقافة عدوانية قاسية بدلا من التراحم ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف وقرى الضيف... وقد كان للأنظمة الاقتصادية والقيم الاجتماعية والأخلاقية التي تفرزها نظمٌ سياسية حاكمة أثر واضح في تكوين تلك الصفات السلبية التي تنزلت من البعض منزلة الطباع!