قال الأصمعيُّ: كُنَّا عند الرشيد، فقدمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعي، حدثنا بحديث مزرد، فقلتُ: إنَّ مُزرِّدًا أخا الشَّمَّاخ كان غلامًا جشعًا، وكانَتْ أمُّه تؤثر عيالَها بالطعام عليه، وكان ذلك يُحْفِظه (يغضبه) ، فخرجت أمه ذات يوم تزور بعضَ أهلها، فدخل مزرّد الخيمة وعمد إلى صاعَيْ دقيق، وصاعٍ من تَمر، وصاعٍ من سمن، فجمعه ثم جعل يأكله وهو يقول:
وَلَمَّا غَدَتْ أُمِّي تَمِيرُ بَنَاتِهَا أَغَرْتُ عَلَى الْعِكْمِ [4] الَّذِي كَانَ يُمْنَعُ
لَبَكْتُ [5] بِصَاعَيْ حِنْطَةٍ صَاعَ عَجْوَةٍ إِلَى صَاعِ سَمْنٍ فَوْقَهُ يَتَرَيَّعُ [6]
وَدَبَّلْتُ [7] أَمْثَالَ الأَثَافِي كَأَنَّهَا رُؤُوسُ نِقَادٍ [8] قُطِّعَتْ يَوْمَ تُجْمَعُ
وَقُلْتُ لِبَطْنِي أَبْشِرِ الْيَوْمَ إِنَّهُ حِمَى أُمِّنَا مَمَّا تَحُوزُ وَتَرْفَعُ
فَإِنْ كُنْتَ مَصْفُورًا [9] فَهَذَا دَوَاؤُهُ وَإِنْ كُنْتَ غَرْثَانًا [10] فَذَا يَوْمُ تَشْبَعُ
فضحك الرشيد حتى استلْقَى على ظهره، ثم قال: كلوا باسم الله، هذا يوم تشبع يا أصمعي [11] .
وقال الأصمعيّ: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة - 10 آلاف درهم - فقال: يا أصمعي، إن حدثتني بحديث في العجز فأضحكتني، وهبتك هذه البدرة.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا في صحارى الأعراب في يوم شديد البرد والريح، وإذا بأعرابي قاعد على أجمة وهو عريان، قد احتملت الريح كساءه، فألقته على الأجمة، فقلت له: يا أعرابي ما أجلسك ها هنا على هذه الحالة؟ فقال: جارية وعدتها، يقال لها سلمى، أنا منتظر لها، فقلت: وما يمنعك من أخذ كسائك؟ فقال: العجز يوقفني عن أخذه، فقلت له: فهل قلت في سلمى شيئًا؟ فقال: نعم، فقلت: أسمعني لله أبوك! فقال: لا أُسمعك حتى تأخذ كسائي وتلقيه عليَّ: قال: فأخذته فألقيته عليه: فأنشأ يقول:
لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَأْتِي بِسَلْمَى فَيَبْطَحُهَا وَيُلْقِينِي عَلَيْهَا