وَيَأْتِي بَعْدَ ذَاكَ سَحَابُ مُزْنٍ تُطَهِّرُنَا وَلا نَسْعَى إِلَيْهَا
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، وقال: أعطوه البدرة، فأخذها الأصمعي وانصرف [12] .
أنشد العماني الرشيد يصف فرسًا:
كَأَنَّ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا قَادِمَةً أَوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا
ولحن، ففهم ذلك أكثر من حضر، فقال الرشيد: دع كأنَّ وقل: تخال"تخال أذنيه"؛ حتى يستوي الشعر، فعجبوا لسرعة تهدّيه، لقد كان فهم الرشيد فهم العلماء [13] .
قال الرشيد للأصمعيّ يومًا: يا أصمعي، أتعرف للعرب اعتذارًا وندمًا؟ ودعِ النابغة؛ فإنه يحتج ويعتذر، فقلت: ما أعرف ذلك إلا لبشر بن أبي خازم الأسدي، فإنَّه هجا أوس بن حارثة بن لأم، فأسَرَه بعد ذلك وأراد قتله، فقالتْ له أمُّه - وكانت ذات رأي -: والله لا محا هجاءه لك إلا مدحُه إياك، فعفا عنه. فقال بشر [14] :
إِنِّي عَلَى مَا كَانَ مِنِّي لَنَادِمُ وَإِنِّي إِلَى أَوْسِ بْنِ لأْمٍ لَتَائِبُ
وَإِنِّي إِلَى أَوْسٍ لِيَقْبَلَ تَوْبَتِي وَيَعْرِفَ وُدِّي مَا حَيِيتُ لَرَاغِبُ
سَأَمْحُو بِمَدْحِي فِيكَ إِذْ أَنَا صَادِقٌ كِتَابَ هِجَاءٍ سَارَ إِذْ أَنَا كَاذِبُ
فقال الرشيد للأصمعي: إنَّ دولتي لتحسن ببقائك فيها [15] .
وروى الأصمعي:"لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة قال لي: هل حملتَ معك شيئًا من كُتُبك؟ قلت: نعم، حملتُ منها ما خفَّ حملُه، ثمانية عشر صندوقًا. فقال: هذا لما خففت، فلو ثقلت كم كنت حملت؟!".