دخل العماني الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال له الرشيد: يا عماني، إيَّاك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور، وخفان دلقمان [16] ، فبكَّر إليه من الغد وقد تزيَّا بزي الأعراب، ثم أنشده وقبَّل يده وقال: يا أمير المؤمنين، قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبَّلت يده، وأخذت جائزته، ثم يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ثم السفاح، ثم المنصور، ثم المهدي، كل هؤلاء رأيتُ وجوهَهُم، وقبَّلت أيديهم، وأخذت جوائزهم إلى كثيرٍ من أشباه الخلفاء، وكبار الأمراء، والسادة والرؤساء، واللَّهِ ما رأيتُ فيهم أبْهى منظرًا، ولا أحسن وجهًا، ولا أنعم كفًّا، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين، فأعْظَمَ له الجائزة على شعرِه، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه؛ حتى تمنَّى جميعُ مَن حضر أنه قام ذلك المقام [17] .
ولكلثوم العتابي في الرشيد أبيات منها:
إِمَامٌ لَهُ كَفٌّ يَضُمُّ بَنَانُهَا عَصَا الدِّينِ مَمْنُوعٌ مِنَ الْبِرِّ عُودُهَا
وَعَيْنٌ مُحِيطٌ بِالْبَرِيَّةِ طَرْفُهَا سَوَاءٌ عَلَيْهِ قُرْبُهَا وَبَعِيدُهَا
وَأَسْمَعَ يَقْظَانًا يَبِيتُ مُنَاجِيًا لَهُ فِي الْحَشَا مُسْتَوْدَعَاتٌ يَكِيدُهَا
سَمِيعٌ إِذَا نَادَاهُ مِنْ قَعْرِ كُرْبةٍ مُنَادٍ كَفَتْهُ دَعْوَةٌ لا يُعِيدُهَا [18]
وكان الرشيد ذات يوم، وأبو يوسف القاضي، وعبدالوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرُّطَب، فقال أبو يوسف: السكر أطيبُ من المشان [19] ، وقال عبدالوهاب: المشان أطيب، فقال الرشيد: ليحضر الطعام، ودعا بعدَّة من بني هاشم كانوا هناك، فأقْبَلُوا جميعًا على السكر، وتركوا المشان، فقال الرشيد: قضوا عليك يا أبا عبدالرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبدالرحمن - عبدالوهاب الكوفي -: إنّي لم أر"مشان"قطّ أردأَ من هذا، فقال أبو يوسف: هكذا هما إذا اجتمعا [20] .