فهرس الكتاب

الصفحة 16421 من 19127

وكل دولة غربية نراها تستميت في نشر لغاتها في أدغال أفريقية، وفي البلدان الفقيرة، وتبذل أموالا طائلة في هذا السبيل، والسباق بين الدول الغربية على أشده في هذا المضمار. فلماذا يفعلون ذلك؟ وماذا ينشدون من أفراد يعلمونهم لغتهم هم متخلفون عن حضارتهم بمئات السنين؟!

إنهم ينشدون ولاءهم، ويطلبون انتماءهم، ويدركون أن تبديل ألسن هذه الشعوب إلى لسانهم يكرس تبعيتهم لهم، والدول المستعمرة من أول ما تقوم به إذا احتلت بلدا أن تضع للغتها موضع قدم فيه.

يقول الرافعي رحمه الله رحمه الله تعالى: ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول: فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأمّا الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ.

والرافعي رحمه الله تعالى حين يكتب هذا الكلام فإنه قد عاصر الاستعمار في بلاد المسلمين، ورأى ما يفعل الغزاة من طمس ٍللغة من يستعمرهم وإحلال لغته مكانها.

إن اليهود قد أخرجوا عبريتهم من قبرها، وأحيوا مواتها، وجعلوها اللسان الوحيد بينهم، وارتضوها لغة التدريس لطلابهم، حتى في المواد العلمية والتجريبية لا يدرسونها لأولادهم إلا بالعبرية.

واليابانيون الذين بلغوا من التقدم ما بلغوا حافظوا على لغتهم، وجعلوها لغة العلم في بلادهم، وترجموا كتب الغربيين إليها، ولم يفرضوا اللغات الغربية على طلابهم.

وهكذا فعل الكوريون وهم في الصناعة والتقنيات ما تعلمون، وأما الصينيون فأمرهم عجب؛ إذ ما يصدر اليوم كتاب علمي في الغرب إلا وينبري له المترجمون ليطبع من الغد باللغة الصينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت