إنه كشف وبيان، وإفشاء للحق الأبلج الذي نزل به الكتابُ، وليعلم الناس أن الشاغلين مواقعَ الهجوم علينا هم الجناة حقًّا؛ الأحْرِياءُ باستشعار حرج الذنب، والإكراه على الإذعان واصطناع الأعذار.
ولئن كان من المسلمين طائفةٌ أو طوائف تشوه حقيقة الإسلام بما تأتي وتذر، فإن الإسلام لا يحابيها، ولا يجوز بوجه أن يحملَ وزرَها، أو أن يُعاد النظرُ في أصول تشريعه لتصحيح أخطاء المفسدين، بل لا تزال قوانينُ الأرض فوق النقد!...؛ يُمدح موافقُها، ويُذم مخالفُها، ويُردَع مَن تجاوزها، ولا تبدل إلا حظرًا وتضييقًا على المتحايلين عليها..، أفتكون أقدسَ من شريعة الله، وأكبرَ في أعين الداعين إلى"تجديد"الإسلام؟!....
إن كل متحدث عن الإسلام مدعو إلى تحقيق ما ينسب إليه من الصفات والخصال سلبًا وإيجابًا، وذلك ليس منعًا لحرية التعبير أو احتكارًا للمعرفة، ولكن طلبًا للإنصاف؛ فإن عقلاء العالم مجمعون على أن معرفةَ الشيء شرطٌ في الإخبار عن صفاته وأحواله.
وقد تخيرتُ مراسم منيفة وإشارات بديعة لطيفة مما أثار به الإمامُ المبدع ابنُ القيم رحمه الله دفائنَ الكتاب، وكشفَ به أسرارَ قوله تعالى من سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} .
فهاتان آيتان جامعتان من سورة الفاتحة التي لا يفتؤ كل مسلم يتلوها كل يوم وليلة؛ في كل ركعة من كل صلاة فريضة ونافلة؛ إشارة إلى أن وراءَ تَكرارِها على كل لسان في كل آن ومكان أسرارًا تستدعي مُستَمِرَّ اليقظةِ والتدبر، وأن العالمين لو وُفقوا لإحصاء دلالاتها، واستخراج ما تحت آياتها لنفِد ما يستخرجون دون أن تنفَد دقائقُ معانيها وأسرار مراميها.