وقد استخرج الإمامُ ابن القيم رحمه الله من هاتين الآيتين ستةَ ملامح إلى ما ذكرت، فانتقيتُ ما استخرجه، ولخصتُه من كتابيه الرائعين: بدائع الفوائد (2 / 244 وما بعدها) ومدارج السالكين (1 / 16 وما بعدها) ، وما أورده من كلام غيره فإني أنسبه إلى صاحبه.
الملمح الأول: فائدة البدل في الدعاء:
مع كون الداعي إنما يخاطِب بقوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الربَّ تعالى، وهو عز وجل في غنى عن البيان، فلماذا زاد {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...} ؟
فالجواب من وجهين:
الأول: ما ذكره العلامة الزمخشري -رحمه الله- أن فائدة البدل هنا"التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده". [الكشاف 1 / 25] .
فهو في معنى قول المتكلم: هل أدلكم على أقوم السبل وأسلمها؟..: صراط الذين أنعم الله عليهم؛ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالاستقامة والاعتدال؛ لأن ذكره ثني مجملا ثم مفصلا؛ فوقع المفصل تفسيرًا وإيضاحًا للأقوم والأسلم، وجعل علمًا في الاستقامة.
والثاني: ما ذكره الإمام ابن القيم أن شرط الأدب في الطلب يقتضي أن يكون ممزوجًا بالثناء، لذلك أخبر طالبُ الهداية عن الصراط المطلوب بالاستقامة تصريحًا منه بمعتقده وإقرارًا، ثم ثنى بالثناء على المدعو بأن الصراط الذي يطلبه ما نصبه لأهل نعمته وكرامته.
ولا يخفى أن الداعي مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه، فذكر له من أوصاف الصراط ما إذا لصق بخلده وطبع في قلبه كان أشدَّ طمعًا ورغبة فيه، وأحرص على دوام الطلب له.
الملمح الثاني: