فهرس الكتاب

الصفحة 16546 من 19127

ومع قلة الشواهد التي تتوسع في استعمال الكلمة إلا أنها انتقلت من المعنى الحسي إلى معنى آخر يدل على ما يرافق الكرم والطعام والضيافة والعلاقات الاجتماعية من (تهذيب) يتمتع به (الآدب) المكرم للناس: كأن لا يكون منانًا في كرمه، وأن يكون بشوشًا في استقبال ضيفه، وأن لا ينتقر الضيوف انتقارًا، أي ينتخب وينتقي، بل يكرم الناس جميعًا دون تمييز. وقد يطرح (المتأدب) ما يتمتع به من تهذيب في ضيافته، من ابتعاد عن السلوك المذموم كالجشع في الأكل، والتهام الطعام والإثقال على المضيف. فمن الأول قول طرفة في أخلاق (الآدب) مفتخرًا بقومه يقول:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب منا ينتقر [3]

ومن أمثلة الثاني قول الشنفرى في (المتأدب) من دون ذكر اللفظ ذاته، مفتخرًا بنفسه يقول:

وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل [4]

وقد تطور اللفظ بدلالته وإن لم تصلنا الشواهد الكافية على ذلك التطور، ولكننا نلمس هذا من خلال أقدم النصوص التي تتصل بهذه الكلمة في فجر الإسلام حيث ظهرت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) ) [5] ولا يخفى أن المقصد من - أدبني - في هذا النص يعني (( علمني وهذبني ) ).

وهذا يدل على أن هذه الكلمة كانت في عهده صلى الله عليه وسلم تعني مادة (التهذيب والتعليم) وفي ذلك إشارة لتطور هذا المعنى في نهاية العصر الجاهلي الذي انتهى ببداية العصر الإسلامي.

وهكذا استمرت هذه الكلمة طوال فترة العصر الإسلامي الأول والأموي على المعنى أو الدلالة نفسها. ولكنها ترسخت وتأصلت في الحياة الثقافية العربية، ثم ظهر إلى جانبها كلمة (المؤدب) التي كانت تطلق على من يعلم أبناء الخلفاء والأمراء (ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية) [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت