وبحكم انتشار العلم وبروز دور المؤدب (المعلم) بدأت الكلمة تستقل ويتضح معناها في هذا الاتجاه، حيث كان المؤدب يعلم تلاميذه القراءة والكتابة أولاً، ثم يعطيهم قسطًا من التهذيب والمعرفة، وكانت وسيلته في التهذيب والمعرفة تقوم على الانتقاء والانتخاب من فنون القول الجيد المؤثر (الشعر والخطابة والقصص والحكمة والأمثال والوصايا..) بالإضافة إلى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف والسّير والأنساب والتاريخ، وبذلك أصبحت الكلمة بحكم هذا الاتساع تقابل كلمة العلم.
وقد وردت أقوال عن الخلفاء والعلماء يوصون المؤدب ويدلونه على كيفية الاختيار لمادة التعليم والتهذيب والعلم كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه لأبي موسى الأشعري (مرْ مَنْ قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي...) [7] .
ولما جاء العصر العباسي وازداد سموق الثقافة العربية الإسلامية ارتفاعًا بدأت كلمة (الأدب) تظهر في خضم الازدهار الثقافي وفي تعبيرات الكتاب ومؤلفاتهم، فمنهم من استعملها للدلالة على معرفة أشعار العرب وأخبارهم ولغتهم، ومنهم من اتسع بها لتشمل كل المعارف التي ترقى بالإنسان، فظهرت كتب مثل (الأدب الصغير) و (الأدب الكبير) لابن المقفع وكتاب (الأدب) لابن المعتز، و (البيان والتبيين) للجاحظ، و (العقد الفريد) لابن عبد ربه، حتى قال ابن خلدون: (الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف) [8] وكأنها أصبحت ترادف كلمة الثقافة بمعناها الموسوعي.
ثم أخذت هذه الكلمة تستقل تدريجيًا في دلالتها عن معنى التهذيب، لتصبح علمًا خاصًا جامعًا لفنون القول الجيد الراقي التي كانت معروفة عند العرب في الجاهلية (الشعر والخطابة والقصص والأمثال والحكم والوصايا والرسائل) وما أضاف إليها العرب في العصر العباسي من فنون جديدة نحو (التوقيعات، والخاطرة، والمناظرة، وأدب الرحلات والمقامات والسيرة...) وغيرها.