فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض، فقلت: كأنك تكره أن تؤتى؟ قال: أجل! فقلت: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس مَنْ ذكرني؟
وقيل لمالك بن مغفل وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أويستوحش مع الله أحد؟!!
وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقرَّ عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنِس.
وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي.
وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه.
فهؤلاء القوم استأنسوا بالله - عزَّ وجلَّ - واطمأنوا إليه، فلم يحوجهم إلى غيره؛ بل جعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية.
وقد بلغ نبينا - صلى الله عليه وسلم - الغاية في ذلك، لأنه أكمل الخلق فما انقطع عن الناس، وما أغلق الأبواب، وما وضع الحجاب، وما سكن الجبال والكهوف ليختلي بالله - عزَّ وجلَّ - وإنما كان يجالس أصحابه، ويمشي في حاجة الأرملة والمسكين، ومع ذلك كان في أنس دائم بالله - عزَّ وجلَّ - وكان الحبل ممدودًا بينه وبين الله - تبارك وتعالى - قال عبدالله بن عمر: كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مئة مرة: (( ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ) ) [5] .
* وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة ) ) [6] . وهذا هو الكمال الحقيقي الذي أوتيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يقوم بحقوق العباد على أتم وجه وأكمله، ويقوم بحقوق النفس والأهل كذلك، وهو في ذلك كله لا يفتر لسانه من ذكر الله - عزَّ وجلَّ - كان إذا أراد الصلاة قال: (( أرحنا بها يا بلال ) ) [7] . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعَهُ [8] .