فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويحدثنا حذيفة رضي الله عنه عن طول قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل لله رب العالمين فيقول: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً [9] ، إذا مرَّ فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه [10] .
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ) ) [11] فهكذا حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - الكمال في كل مراتب العبودية، وهذا ما عجز عنه غيره من البشر. فقد روي عن مسلم بن عابد - عليه رحمة الله - أنه قال: لولا صلاة الجماعة ما خرجتُ من بيتي أبدًا. فأين عيادة المرضى، واتباع الجنائز، والسعي في حوائج المسلمين؟!
والشاهد من ذلك كله أنه ينبغي للعبد أن يكون متصلاً بالله - عزَّ وجلَّ - ذاكرًا له، مستأنسًا به - تبارك وتعالى - غير مستوحش من فقد الأنس والجليس. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سجنه أعداؤه، وأغلقوا عليه الأبواب، كان يكثر من قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] وكان يقول: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي معي .. أنا قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة، وكان عليه رحمة الله يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.