إن الحَراك الثقافيَّ أمرٌ مستحبٌّ محمود، بل هو علامةُ صحَّة وعافية عندما ينضبِط على وَفق هوية معينة تَفيء إليها الأمَّة وتلتمُّ من حولها، عندما يتَّجه هذا الحَراك نحو الوِفاق، ونحو تأسيس ثقافةِ الاختلاف المثمِر البنَّاء، ولكنه يكون داءً دَوِيّاً عندما يفهمُه قومٌ من بني جِلدتنا على أنه الانفِلات من كلِّ قيد، والجَريُ على غير هُدى، والتشكيكُ - على طريقة الفكر الغربيِّ المادي - في كلِّ شيء، مما يجعل الأمَّة قَشَّةً في مَهَبِّ العاديات..
2 -ومن المعنويِّ ذلك الإلغاءُ والإقصاء اللذان تمارسهُما كلُّ فرقة من الفِرَق المنتجة للثقافة عندنا في حقِّ المخالفينَ لها في الرَّأي، حتى غَدا القمعُ والاستِبداد سِمةً واضحةً من سِمات هذه الثقافة.
وغَدَت شعاراتٌ تتَّهِم بـ"التزمت"أو"الرجعية"أو"السلفية"أو"الظلامية"أو"التفسيق"أو"التبديع"أو"التكفير"أو ما شاكل ذلك، من الذائع المشهور الذي تحفِل به كتاباتُ أهل الثقافة والفكر عندنا، وهذا ما يجعلُ الشكَّ محيطاً بكلِّ ما ينتجه أيُّ طرف من الأطراف، ويُوقع المتلقِّي - ولا سيَّما من عامَّة الناس - في بحرٍ من الحَيرة والاضطِراب لا يَعرف خلاصاً منه.
3 -ومن المعنويِّ انعدامُ العدالة في توزيع المنابِر الثقافية المختلفة، واحتكارُ طائفة لها، أو تحكُّمُهم في مجرياتها، مما يجعلُها أقدرَ على الترويج لفكر معيَّن، أو على الرفع والوضع، وعلى الحَجب والإظهار.
وهذه ظواهرُ لا تَخفى اليوم على أحد، إن ثُلَّة من أصحاب اتِّجاه فكريٍّ معيَّن تسيطر على السُّوق الثقافية الإعلامية إن صحَّ التعبير، وهي تمتلك المنابرَ المؤثِّرة وهي التي تُروِّج لهذا الفكر أو ذاك، وترفَع فلاناً وتضع فلاناً، والناس تُؤخَذ ببريق الشُّهرة، ولمعان الألقاب.