4 -وعلى أن من أخطر ما يهدِّد المشروع الحضاريَّ العربي المعاصر هو افتقاده الخطابَ الموحَّد وشبه الموحَّد، وذلك لافتقاد المرجعيَّة الفكرية التي تعمل طائفةٌ من بني جِلدتنا على التشكيك فيها، وهدم مكوِّناتها، ليلَ نهار، حتى كدنا نصبح أمماً لا أمةً واحدة كما وصفنا القرآن الكريم بقوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .
والأمةُ الواحدة يكون لها خطابٌ واحد ذو مرجعية واضحة بيِّنة، ومهما اختلفت زوايا النظر إلى هذه المرجعية، أو تعدَّدت التأويلاتُ والتفسيرات فيها، فإنها لا تفتقِد أبداً الوحدة والثبات.
إن الاختلافَ مشروعٌ ما دام نابعاً من طبيعة هذه المرجعية الفكرية التي ينتمي إليها، ومن تعدُّد أشكال القراءة المحتملة فيها، ومن تبايُن الاجتهادات الفقهية والفكرية والثقافية والنقدية النابعة جميعاً من أُصول الثوابت واليقينيات.
ولكن هذا الاختلافَ الناتج عن قطع العلاقة مع الأصول والمرجعيَّات، أو عن المستورَد من الخارج، أو المستَصدَر من حضارات أُخرى تخالف تصوُّراتنا الفكرية كلَّ المخالفة، أو المفروض عليها فرضاً من قويٍّ غازٍ، أو المستَجلَب إليها على يد مُنبَهِر مُتلاشٍ في ثقافة الآخرين.. كلُّ هذا وما كان من قَبيله هو اختلافٌ مَذموم، يمزِّق الأمةَ، ويشتِّت شملَها، ويجعلها أمةً بلا لون ولا وجهٍ ولا حاضر ولا مستقبل.
إن اختلافَ التكامُل والائتلاف مشروعٌ مقبول، وهو - كما ذكرنا - مصدرُ الغِنى والثَّراء، وهو ما سمَّوه"اختلاف الرَّحمة"، ولكن اختلافَ التناقُض والتنافر والتنابذ بالألقاب هو المستَهجَن المذموم الذي ينبغي أن يسعى خطابُنا الفكريُّ المعاصر إلى القضاء عليه بكلِّ الوسائل، ولن يكونَ ذلك إلا باعتماد المرجعيَّة.