كما أنَّ الأُدَباءَ والشُّعراءَ لم يقصروا بدرجاتٍ مُتفاوِتَةٍ في معالجةِ مَوضوعِ بُؤسِ الإنسان وشقائِه، وراح عدد كبير منهم ينادي بإسعاد الناس والعدل في معاملتهم، وتبلْوَرَتْ هذه الدَّعْوَى في الدَّساتير الوضعيَّة، وإن بَقِيَ مُعْظَمُها نُصوصًا بغير رُوح، وأقوالاً بدون تطبيق، ولعلَّ الصُّعوبةَ في التطبيق والتنفيذ نابعة من أن عدم تساوي الناس أصلاً في القدرات والإمكانات خَلَقَ صعوبةً هائلةً في إيجاد مِعيار مُقَنَّنٍ لِلعدالة بَيْنَ النَّاس، فاستغلَّ المُتَسَلِّطُون ذلك لِوَضْعِ معايِيرَ خاصَّة لكل مجتمع؛ بل ولكل مناسبة وزمن، وحتَّى عندما اصطلح الناس في إعلان حقوق الإنسان على العدالة في تكافؤ الفُرَص، والعدالة في توزيع الحقوق والواجبات، لم يتقدَّم أحد بإيضاحِ كيف يمكن تنفيذُ ذلك بعدالةٍ ودِقَّة، فأُسلوبُ التنفيذِ الوحيدُ المتاحُ في عدالة تكافؤ الفُرَص مَثَلاً هو التساوي في إعطاء كلٍّ فُرصَةً مساوِيَةً لفُرصة الآخَرِ؛ ولكن في ضوء ما نعرفه عن اختلاف الناس قدراتٍ وإمكاناتٍ، هل يُمكن أن نقول مخلصينَ: إنَّ في هذا عدالةً مطلقةً؟ ثم لو حاولنا التنفيذ فعلاً متجاهلينَ اختلاف الناس عقلاً وقدراتٍ، فمَن يستطيع الجزم بأن إعطاء الأطفال أو الطلاب فرصًا متساوية ممكن؟! وإذا كان ممكنًا ظاهريًّا في المدرسة مثلاً، أفلا يُؤَثِّر البيتُ وإمكاناته في إعطاء بعض الأطفال امتيازاتٍ لا تُتاح لغيرهم؛ بمعنى أنَّ الطفل ذا العائلة الغنية والمستنيرة يَنْعَمُ بميزات لا يجد مثلَها الطفلُ ذو العائلة الفقيرة والجاهلة، وفي ذلك إخلال بتكافؤ الفُرَص، لا سلطان لأحد عليه.