ولكنَّ هذا المجتمع - في حقيقة الأمر - ليس إلا هروبًا من الواقع، ولعلَّه استمرار لفِرار مُؤَسِّسِيهِ من جيش الإسكندر، ومنَ الصعب أن نتصوَّر المجتمعاتِ الإنسانيةَ مغلقةً على نفسها بهذا الشكل، دون صلة أوِ اتِّصالٍ ببعضها بعضًا، وبخاصَّةٍ في هذا العصر الذي تقلَّصَتْ فيه المسافات"وصَغُر"حَجْمُ العالم إلى حدٍّ كبير بِفَضْل سرعة الاتّصالات وتطوّرها؛ إذ لم تَعُدْ هناك بلادٌ مجهولةٌ أو بعيدةٌ يسمع عنها، ويُنْسَجُ حولها القَصَصُ والأساطير، وفوق كل هذا، فإن مثل هذا المجتمع يُفْقِدُ الإنسان جزءًا كبيرًا من إنسانيَّته، وهو الجزء المتمثل بعقله الموقَدِ الباحث دومًا عن المعرفة، والساعي للسيطرة على بيئته ومُقَدَّراتِهِ، ثم كيف يمكن أن نتصور المجتمعاتِ الإنسانيةَ وقد نَضَبَ مَعِينُ الفنون منها ونُسِيَ العلم؟ بل كيف يُمكِنُ لِلإنْسَانِ اليَوْمَ أن يَتَنَازَلَ عن مكاسبه التي حقَّقها بِفَضْلِ العِلْم والتّكنولوجيا، ويعود للعيش عِيشَةً هي أقرب إلى مَعِيشَةِ البهائم والأنعام؟
ونستغرب كثيرًا كيف يرضَى ذَوُو القُدُرات العالية في هذا المجتمع بالعيش بشكل متشابه مع ذَوِي القُدرات القليلة، وكيف تَمَكَّنَ الناس هناك منَ التخلِّي عنِ الطُّموح الإنسانيِّ، وتَحَدِّي المجهول والرغبة في استكشافه.
ولعلَّه مظهرٌ آخَرُ من مظاهر تناقُض الإنسان أن يحلُم بالمجتمع الفاضل الأمثل؛ حتى إذا ما اقترب من تحقيق هذا الحلم وجده سرابًا، لا جدوى من ورائه.
على أن ذلك لا يعني أن البديل هو الإبقاء على الإنسان، أو معظم بني البشر في شقاء، وشَظَفِ عَيْشٍ، وإحساس بالإحباط، والألم والظلم.