ورغم ما صاحب الثَّورةَ الصناعيَّةَ من مآسٍ إنسانيَّة على صعيد الفرد، وعلى صعيد قطاعاتٍ كبيرةٍ مِنَ المُجْتَمَع، إلا أنَّه لا يَخْتَلِفُ اثنانِ فِي أنَّ الحضارةَ العِلْمِيَّة التكنولوجيةَ وفَّرتْ على الإنسانِ الكثيرَ من الجهد والنَّصَبِ؛ فبدلا من العمل الجسميِّ المُضْنِي في سبيل قضاء أيَّةِ حاجة، صارتِ الآلةُ تتحمَّلُ مُعظمَ العِبْءِ في العمل؛ كما سَهَّلَتْ له سُبُلَ الانتقال والاتصال وغيرها من مجالات الحياة بما في ذلك الترويح عن النفس؛ وهكذا صار الإنسان يضيء غرفته بمجرد لمسة أصبع، وكان ذلك يأخذ منه جُهدًا ويستغرق وقتًا، كما أنَّ الضوء المتاح له اليوم يَفْضُل ما كان يحصل عليه مرات عديدة، ومثل ذلك حصل بالنسبة لطهي طعامه؛ لا بَلْ إنَّ التَّطَوّراتِ الحديثةَ في هذا المجال تُبَشِّر بأن يصبح بوُسْعِ الإنسان أن يُنْهِيَ طَهْيَ طعامه في دقيقتين فقط، باستعمال إشعاع الموجات القصار، أو موجات الراديو في أفران خاصة، بينما كانت - وما زالت - هذه العملية تستغرق من ربات البيوت، وهن ربع المجتمع، معظمَ وقتهنَّ، وكذلك حصل تطوُّرٌ كبير في عملية انتقاله وسَفَرِهِ إلى بلاد بعيدة بسرعة ويسر بدلاً من ركوب المخاطر والمتاعب التي كانت تصاحب فِكرة سَفَرِهِ في الماضي، وهكذا مع بقية مجالات الحياة.
وبالإضافة لتوفير الجهد أدَّى تدخُّل العلم والتكنولوجيا إلى توفير الوقت توفيرًا كبيرًا؛ فأصبح المزارع يُنهِي عمله بسرعة بينما كان يجهد فيه طول يومه، وصارت ربة البيت تُتِمُّ أعمالها في جزء من النهار، وكانت تمضي فيه سحابة نهارها، وهكذا بدأ الإنسان يجد - مهما كان عمله - أنَّ لديه وقتًا لا عمل لديه فيه، وهكذا أصبح وقت الفراغ متاحًا لأعداد متكاثرة من بني البشر بعد أن كان مقصورًا على عدد قليل جدًّا.