فهرس الكتاب

الصفحة 16742 من 19127

"كما أن المسلمين أبقوا على مختلف النظم التي عرفتها مصر منذ أقدم العصور، وأطلقوا لأهلها حريَّة العقيدة، وأمَّنوهم على أنفسهم وأموالهم، وتركوا لهم سائر الوظائف، والصناعة، والزراعة، والأعمال، واكتفى المسلمون بالإشراف على شُؤون الدولة، والقضاء، والشرطة، وقيادة الجيوش، والحكم، كلُّ ذلك كان باعثًا قويًّا لكثير من المصريين على الدخول في الإسلام، وصار لزامًا عليهم أن يتعلَّموا اللغة العربية؛ حتى يستطيعوا قراءة القرآن، وفَهْم أحكام الدين الإسلامي، والانخراط في سلك الدواوِين، التي بدأت حركةُ تَعْريبها على عهد عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه".

"وما أنِ انسلخ القرن الثالث الهجريُّ (التاسعُ الميلادي) حتى دانت الغالبيةُ العظمى من أهل مصر بالإسلام، وبقيتْ أقليةٌ نصرانيةٌ، وأضحت اللغة العربية لغةَ كلِّ المصريين: في الدواوين، والتَّخاطُب، والعبادة، والثقافة، والفِكر، والعلم، يتكلم العربيةَ ويتعامل بها كلُّ المصريين، سواء كانوا مسلمين أو نصارى أو يهود".

وهكذا وجد الأقباطُ في المسلمين غيرَ ما كانوا يجدونه من البِيزَنْطِيِّينَ الرُّومانِ؛ فأقبلوا في حماس دافق يتعاوَنُون مع المسلمين في إدارة شؤون مصر، يُحَفِّزهم أنَّهم كانوا يومئذٍ أكثريَّةً بين العاملين في شتَّى الوظائف بأنحاء البلاد، كانوا يملكون الأرض، ويَزرعونها دون تدخُّل من السلطة الإسلامية الحاكمة، وكانوا يُديرون اقتصاد البلاد؛ بل كانوا رؤساء المالية طَوال العصر الأُمَوِيِّ، وكانتْ سائر الوظائف المَدَنِيَّة بأيديهم؛ ولهذا كان تقدير النصارى للمسلمين عظيمًا، وقابلوا الفضل بالعرفان والتقدير، وإخلاصهم في العمل الذي وَلاهم إياه المسلمون، ونعمتْ مصرُ بالاستقرار، واستمتع أهلها بهدوء الحياة التي لا يَشوبها كَدَرُ الخلافاتِ الدينيةِ، ولا يَشوب بهجَتَها مشكلاتٌ سياسيةٌ أوِ اقتصاديةٌ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت