ونَصِلُ إلى العصر الحديث؛ فتقوى مَوْجاتُ التَّجديد، ممتزجةً بالتَّغْريب، وتولِّدُ في خمسينيات القرن الماضي قصيدةَ (الشِّعرِ الحُرِّ) ، معتمدةً على وَحْدَة التَّفْعيلَة وزناً، وتَضِيقُ الآفاقُ الرَّحْبَةُ بالعَرُوض العربيِّ شيئاً فشيئاً، حتى أصبح الشِّعْرُ الحديثُ يقوم اليومَ - عند مَنْ يعرفون الوزن أصلاً ويلتزمونَهُ - على تفعيلاتٍ معيَّنةٍ، لا تكاد تُجاوِز أصابعَ اليَدِ الواحدة، ويَفْشُو الخطأُ والكَسْرُ في استعمال الأوزان بصورةٍ لافتةٍ للنَّظَر، وتبدأ ملامحُه المتميِّزة في الضُّمور شيئاً فشيئاً، ويبدأُ الهجومُ على الشِّعْر العربيِّ التُّراثِيِّ، وعلى عَرُوضِهِ الخَلِيلِيِّ، فيُتَّهمُ بالعَجْز والجُمُود وعدم القُدْرة على مُجارَاة العصر؛ بل يروِّج فكرةَ أنَّ القصيدة العموديَّة قد انقرضتْ!
ويأخذُ أصحابُ الحَدَاثَة الهَجِينَة في تَمْيِيعِ مفهوم الشِّعْر، ونَسْفِ المعايير الضَّابطة له؛ فيتحدَّثُ قومٌ عن صَهْر الأجناس الأدبيَّة كلِّها في نوعٍ واحدٍ هو الكتابةُ، وتَسمعُ مَنْ يقولُ لكَ:"إنَّ الشِّعْرَ لا عَلاقَةَ له بالوزن أو الموسيقا، وإِنَّه (رؤيةٌ) ".
وآخرُ يقولُ لكَ:"إنَّ الشِّعْرَ ليس نوْعاً أدبيّاً؛ بل هو حالةٌ فكريَّةٌ ورُوحيَّةٌ، تشملُ - حين تتوسَّع - لا الشِّعْرَ كفَنٍّ أدبيٍّ فحسب؛ بل فنونَ التَّعبير وطرائقَ الحياة..". وغيرَ ذلكَ من الكلام الزِّئْبَقِيِّ الرَّجْرَاج، الذي لا يكادُ يحملُ دَلالةً مفهومةًَ.
وفي ظِلِّ هذا الكَسْر للمعايير تولد بِدْعَةُ ما دُعيَ (قصيدةَ النَّثْر) ، التي لم تَكْتَفِ برفض الشِّعْرِ العربيِّ التُّراثيِّ؛ بل برفضِ قصيدةِ (الشِّعْرِ الحُرِّ) كذلك.