فهرس الكتاب

الصفحة 1705 من 19127

لقد انتزعتُ نفسي من بين أحبابي وأصحابي، وصِرتُ رجلًا لكل امرئ فيه حقٌّ، وعليه في كل ما هو بسبيله تَبِعةٌ، ولكلِّ يدٍ في عُنُقه مِنَّةٌ أو دَيْنٌ، ولديه أمانةٌ هو مؤدِّيها على الرضا كما يؤدِّيها على الكُرْه، فإن خاسَ أو خانَ أو أمسك هَلَكَ - ولا هلك سواه - وكان من الخاسرين.

لقدِ انتزعتُ نفسي من بين أحبابي وأصحابي، ولَزِمني أن أُبطِلَ - في هذا العمل الصُّحُفِيِّ - معنى العداوة والصداقة في جانبٍ من قلبي، إذ ليس أقْتَلَ لعملِ الصَّحافيِّ من تحكُّم العداوة ومحاباة الصداقة.

ولئن كنتُ قد خسرتُ لذَّةَ إيثار الصديق، فأحسبُني سوف أَربح جمال إيثار الحقِّ والعدل من طريق المساواة في المحبة، وكأيٍّ من لذَّةٍ تَعْدِل لذَّة القدرة على إنصاف عدوِّكَ من نفسكَ حين يكون مع الحقِّ، أو كان الحقُّ معه!!

إن هذا العمل الذي أُقْدِم عليه يكاد يُشعرني بعضُ الفِكْر فيه بدبيب الشَّيْب وهو يَصَّاعَد بين القلب والشَّعْر، ويكاد يحملني بعضُ هذا الفِكْر على حالةٍ من أريحيَّة الصِّبا وعُنْفوان الشباب، أَتدفَّق بهما في نفسي تَدَفُّق السَّيْل تحت صَعَقات الرَّعد، وخَفَقات البروق؛ وانقضاض الرياح العواصف بين مخارم الأودية وأفواه الفِجاج.

أما دَبيب الشَّيْب: فمن هَوْلِ المَطْلع، حين أُغمضُ عيني على هدأةٍ، وأرمي ببصيرتي فأرى ليلًا مظلمًا قد أَطْبَقَ على هذه الشعوب العربية والإسلامية والشرقية، وأرى من ورائها دنيا تموج وتضطرب، وتضيءُ وتخبو، وتسمو وتَتَّضِع، وتأخذ وتَدَع... توشك أن تلتهم الشرق كلَّه، فينتاشُنِي [1] الهمُّ من نواحي نفسي، ويتداخلني الرعب والفزع واليأس أو يكاد.

كيف...! كيف نَستنقِذُ مَجْدنا وتاريخَنا وأرواحَنا وذَرَارِيَّنا مِن بعدِنا، وأنَّى المسلكُ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت