إنَّ أحدَنا لَيَضْرِبُه العجزُ عن ضبط ما يتبدَّد على أفكاره من خَطَرَاتِ الرَّأْيِ الَّتي يريد نَفْسَه وأُمَّته على العمل بها لِيُنْقِذ رُوحه من الهلاك، ومَجْده من التهدُّم، وذُرِّيَّته من إرث السوء وتَرِكات الشَّرِّ.
وأما عُنفوان الشباب: فحين أَمُدُّ طَرْفِي إلى مجد آبائي وأجدادي، وهم يَهُبُّون من بواديهم في غبارها، ثم لا يلبثون إلا قليلًا فيملأون الدنيا حضارةً تلوح في بَدئها كتباشير الفجر، ثمَّ تَتَفَجَّر بشُموسها وأنوارها حتى تضيء من جَنَبات الأرض كلَّ مظلمةٍ داجيةٍ، فَثَمَّ الأُسْوَةُ.
إنَّ المجد الغابر يُنادينا من وراء السنين والأجيال: لابد. لابد!! فهل ييأس مَنْ يريد أن يحيا؟ إنَّ الصخرة العظيمة المعترضة سبيل الظمآن إلى الماء تقول له: إمَّا أن تَحْطِمُنِي، وإمَّا أن تموت، فأين الخِيَرة...؟ لقد أَعتقِدُ أنَّ إرادة الرجل إذا تعلَّقت بالله، وأمَّلَتْ في الله، وعَمِلَتْ لله لم يبق أمامَها إلا ما يَلِينُ أو يَتَقَصَّف أو يَتَهَدَّم أو يَستقيم.
لقد تعلمتُ ألا أيْأَسَ، وقد بالغتِ الحوادث والأيام في تكوين بعض ما في نفسي حتى ما أكاد أَعرِف كيف أفرَحُ لِنَجاحٍ أُصِيبُه وأُدْرِكُه، لقد سُلِبْتُ أشياءَ كثيرةً، وحُرمْتُ أشياءَ كثيرةً، ثم وجدتُ أشياءَ كثيرةً، فعَرفْتُ ممَّا حُرمتُ وممَّا وجدتُ خَيْرًا كثيرًا، أرجو أن أنفع الناس به بإذن الله؛ فإن فُزْتُ فبإذنه، وله الحمد في الأُولى والآخرة، وذلك أملي في الله، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
من أين؟ وإلى أين؟
في هذه العاصفة الهَوْجاء التي تجتاح الدنيا، والشرق أوَّل ما تجتاح في تهجُّمها وانقضاضها - أجترئ فأُصْدِرُ"العصور"، محتملًا في سبيل ذلك ما يهدُّ وما يُفزع وما يغتال، وبالله أستعينُ، وله أتوجَّهُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ وإليه أُنيبُ.